هالة الدسوقي تكتب “وأخيراً.. انتصرت وزارة التعليم لطلاب الدمج!

نعم.. لقد انتصرت وزارة التعليم لطلاب الدمج! فقد وضعت الوزارة قرار دمج الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة منذ عام 2011 (بالقرار الوزاري رقم 264 لسنة 2011)، وتم تحديد ملامح و قواعد الدمج طبقاً للقرار الوزاري رقم 252 لسنة 2017 الصادر في 5 أغسطس 2017. ورغم صدور القرار، إلا أن المدارس كانت تعلم به ولا تطبقه في الأغلب الأعم.
ولكن ما تم من قبل وزارة التربية والتعليم مؤخراً هو ما كان يتناه كل ولي أمر لطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة يتمنى أن يلتحق بالتعليم مثله مثل أقرانـه؛ فقد صار الموقف الحكومي صارماً وحازماً بعدم قبول أي تهاون من مدرسة خاصة أو دولية أو حكومية في رفض الطلاب المنطبق عليهم شروط الدمج، وفي حالة الرفض تمنح الوزارة المدرسة مهلة 15 يوماً، فإما أن تقبل الطالب أو تتعرض للإغلاق!
وهو بحق انتصار كبير لطلاب الدمج وذويهم ممن ذاقوا الأمرّين بحثاً عن مكان لأبنائهم.
ولي تجربة شخصية تتعلق بهذه القضية الموجعة؛ فأنا أم لطفل يعاني طيف التوحد، ومنذ أن بلغ السادسة وأنا أبحث له عن مدرسة تقبله. في البداية، قررت أن ألحقه بمدرسة خاصة، ولكن مالكة المدرسة لم تعطيني فرصة للنقاش وقالت لي: *”الحالات دي لهم مدارس خاصة بيهم.. أنا مش بقبل بيهم في مدرستي”*.
قبلها، اتصلت ببعض زملائي من الصحفيين ليرشحوا لي مدرسة ينضم لها ابني، وفي إحدى المدارس وعند عرض ابني على المُختصة بالقبول، نصحتني بإلحاقه بمدرسة “تربية فكرية”، رغم أن اختبار الذكاء لابني كان يسمح له بالانتظام في مدرسة عادية وليست فكرية!
لم أكذب خبراً، وذهبت للمدرسة الفكرية وعاينت الأمر بنفسي. ولأن ابني يعاني طيف التوحد ويقلد ما يراه حوله، شعرت بأني سوف أفاقم حالته إن وضعته في مدرسة فكرية. فبحث عن حل آخر، وهو إلحاقه بمدرسة حكومية لا ينتظم فيها سوى ساعة أو ساعتين مرة أسبوعياً، على أن أُكمل له جلسات التخاطب وتنمية المهارات في المراكز المتخصصة.
وهنا.. ولمدة شهرين كاملين، وأنا أجهّز أوراقه، واستعنت بزميل لي أحضر لي تأشيرة من الوزير لإلحاق ابني بالمدرسة التي اخترتها لميزة وحيدة وهي قربها من منزلي. لكن المقابلة جاءت على غير ما تشتهي وتحلم به النفس؛ ذهبت للمدير فوجهني للمدرس المسؤول عن التحاق الأطفال بالمدرسة، وأطلعته على الموافقة التي معي، ليكون رده:
*”يا مدام.. ابنك ماينفعش يدخل المدرسة هنا”*
ـ *”ليه؟ وفي قرار دمج يسمح له بالانتظام هنا!”*
ـ *”معقولة.. مش خايفة على ابنك من تنمر الأولاد؟ وبعدين إزاي المدرسة تاخد بالها منه وقدامها 100 طالب في الفصل؟”*
ـ *”يا سيدي الكريم.. نسجله في المدرسة ولا يداوم.. فقط ساعة أو ساعة ونصف مرة في الأسبوع”*
ـ *”ما ينفعش.. هو إنتِ مش خايفة على ابنك؟”*
ـ *”طيب.. حضرتك قلت لي على التبرع وأنا مستعدة”*
ـ *”حرام عليكِ.. ما ينفعش ابنك هنا في المدرسة!”*
إذاً، يا سادة.. تم رفض ابني في مدرسة حكومية في ظل وجود قرار وزاري، ورغم أني سهّلت للمسؤول فكرة تواجد ابني، إلا أنه عارض القرار ورفض وجوده. في تلك السنة، ضاعت على ابني سنة دراسية كاملة بلا تعليم.
في السنة التي تليها، قررت أن أحاول مرة أخرى في مدرسة خاصة. ناقشت المسؤولة عن المرحلة الابتدائية بعد مقابلة مالكة المدرسة، واقترحت عليّ أن أحضر ابني في “النشاط الصيفي” لمعرفة هل سيتم قبوله طبقاً لشروط واضحة: ألا يكون عدوانياً ولا يتحرك كثيراً في الفصل. وقد كان! نجح ابني في اختبار الجلوس هادئاً، وجاء الشرط الثاني وهو ألا يلتحق بالصف الأول الابتدائي بل بـ (KG2)، ولم أمانع.
كم كنت سعيدة بأني وجدت له أخيراً مدرسة تقبله! هلّ العام الدراسي وانتظم ابني، ولكن معلمة الفصل كان لها رأي آخر؛ فلم تحتمل وجوده، ولم تتعاون معه، ولم تسعَ لتعليمه، بل رفضت مطالبتي لها بكتابة واجب لابني، قائلة بكل فجاجة: *”لقد طلبتِ من المسؤولة دمج ابنك فقط مع الأطفال، فلا تطالبيني بواجب لابنك.. ولا تحدثيني عن مجموعات الفصل، فلستُ مطالبة بتدريسه أي شيء!”*.
لم أردّ.. وامتثلت مكرهة، وابتلعت الإهانة ليبقى ابني في المدرسة. لكن المعلمة خلال أربعة أيام فقط بدلت حال ابني وتراجعت حالته النفسية بسبب المعاملة، وفوجئت بالمسؤولة تتصل بي لتخبرني أن المدرسة قررت عدم استمرار ابني بها! وقتها أيضاً لم أعتبر ولم أجادل، استلمت أوراقه واصطحبته للمنزل ودموعي تنهمر طيلة أيام. لقد تعبت.. حقاً تعبت.. أصابوني بالإحباط.. ليس لابني مكان.
إلى أن أشارت عليّ صديقة بمدرسة خاصة أخرى تقبل طلاب الدمج، ووفقني الله سبحانه وتعالى لضم ابني إليها؛ بمصاريف باهظة ولكني اضطررت لذلك فلا مكان له سواها. في تلك المدرسة وجدنا متخصصين لحالات التوحد وذوي الاحتياجات الخاصة باختلاف حالاتهم.
رحلة عذاب خضتها من أجل ابني، ورغم المصاريف المرتفعة إلا أني أريد له من يقبله على وضعه، ويستوعبه، وألا يتركه كـ “كمّ مهمل” داخل الفصل يفاقم حالته.
هؤلاء الأطفال المساكين يُقابلون بالرفض المجتمعي وليس فقط التعليمي! معاناتي مع ابني ليست فقط في حالته، بل بمن يحيطون بي ومن يتعاملون معي ومعه؛ فكم من مشاجرة خضتها بسبب عدم استيعاب بعض الناس لحالته وتخيلهم أنه “طفل مدلل”، غير مدركين أنه حالة خاصة. هم يستحقون العناية واستيعاب المجتمع وأفراده لهم. نحن أهالي أطفال التوحد نعاني الاكتئاب مما يحيط بنا من رافضين لهؤلاء الأطفال وتصرفاتهم.. نحن بحاجة لثقافة مجتمعية حقيقية للتعامل معهم، خاصة مع تزايد أعدادهم، ونحتاج للدعم النفسي والمادي والمجتمعي من أجل أطفال ليس لهم ذنب في حالتهم تلك.






