الثروة المعدنية تخسر عقولها مبكرًا.. وقرار الإنصاف على مكتب الوزير

الثروة المعدنية تخسر عقولها مبكرًا، في قطاع التعدين، تقاس الثروة بحجم الخام تحت الأرض، وتقاس قيمة الدولة بقدرتها على صون الإنسان فوق الأرض.
الثروة المعدنية تخسر عقولها مبكرًا
ومن هنا تخرج هذه الرسالة إلى مكتب المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، حاملة صوت آلاف العاملين في المناجم والمحاجر، من جيولوجيين ومهندسي تعدين وفنيين وكوادر ميدانية صنعت خبرتها وسط الجبال والوديان ومناطق الإنتاج، ثم وجدت نفسها أمام خروج مبكر عند سن الخامسة والخمسين، في توقيت يحتاج فيه قطاع الثروة المعدنية إلى كل عقل خبير، وكل عين قرأت الخرائط، وكل يد تعرف طبيعة الصخور ومسارات الخام.
إنصاف رجال المناجم والمحاجر
القضية تتجاوز مطلبًا وظيفيًا محدودًا، إنها ملف إنصاف مهني، واقتصادي، وإنساني، يخص شريحة تحملت قسوة العمل في المحاجر والمناجم سنوات طويلة، وأسهمت في حماية موارد مصر التعدينية، ثم اصطدمت بقاعدة قديمة ارتبطت تاريخيًا بالأعمال الصعبة والخطرة، وبمخاطر التحجر الرئوي والإصابة السمعية، في زمن كانت أدوات الوقاية أقل حضورًا، وكانت المعدات أكثر بدائية، وكانت بيئات العمل أكثر تعرضًا للأتربة والضوضاء ومسببات الضرر الصحي.
التكنولوجيا تغير المعادلة
اليوم تغيرت الصورة، دخلت المعدات الحديثة، وتطورت نظم التهوية، وتقدمت وسائل الرصد والمتابعة، وأصبحت اشتراطات السلامة والصحة المهنية جزءًا أصيلًا من تشغيل المواقع التعدينية الكبرى.
منجم السكري يغير الصورة
وتجربة منجم السكري تقدم نموذجًا شديد الدلالة، فواحد من أخطر وأضخم مواقع التعدين في مصر استطاع عبر التكنولوجيا والانضباط التشغيلي ونظم السلامة الحديثة أن يقدم تجربة عمل أكثر أمانًا، وسجل في 2023 نحو 9.5 مليون ساعة عمل دون إصابات زمنية مهدرة، مع استمرار استخدام التقنيات الحديثة في الاستكشاف والتشغيل وإطالة عمر الإنتاج.
لماذا نخسر الخبرة مبكرًا؟
هذه التجربة تفتح باب السؤال الأهم: إذا كانت التكنولوجيا قادرة على تقليل المخاطر في مواقع إنتاج ضخمة ومعقدة، فلماذا تستمر قاعدة واحدة في دفع كوادر التعدين والمحاجر إلى الخروج المبكر، رغم احتياج الدولة إلى خبراتهم في مرحلة إعادة بناء القطاع؟ ولماذا تخسر هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية خبرات نادرة عند سن 55، في وقت تعلن فيه الدولة عزمها تحويل التعدين إلى رافد حقيقي للناتج المحلي وجاذب للاستثمارات الأجنبية؟
الثروة المعدنية تدخل مرحلة جديدة
لقد شهد قطاع الثروة المعدنية خلال العامين الأخيرين تحولات كبيرة، صدر القانون رقم 87 لسنة 2025 بتعديل بعض أحكام قانون الثروة المعدنية رقم 198 لسنة 2014، وتقدمت الدولة خطوة مهمة بإعادة هيكلة الهيئة لتصبح هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية ككيان اقتصادي أكثر قدرة على الحركة.
تعديلات تدفع التعدين للأمام
كما جاءت تعديلات اللائحة التنفيذية في 2026 لتبسيط الإجراءات، وتحديد مدد زمنية لإصدار الموافقات والتنسيقات، والسماح باستغلال أكثر من خام داخل منطقة الامتياز، وتخفيض مساهمة الهيئة في بعض المشروعات المشتركة بما يعزز جذب المستثمرين.
العنصر البشري قبل الخرائط
وسط هذا التحول، يصبح ملف العاملين في المناجم والمحاجر جزءًا أصيلًا من الإصلاح، فالاستثمار في التعدين يحتاج تشريعًا جاذبًا، وبيانات جيولوجية دقيقة، وخرائط حديثة، ومواقع مؤهلة، وإجراءات سريعة، غير أن كل ذلك يقوم أولًا على الخبرة البشرية.
رجال يعرفون أسرار الأرض
كما يمثل الجيولوجي الذي أمضى ثلاثين عامًا في قراءة التكوينات الصخرية، ذاكرة فنية للدولة، ومهندس التعدين الذي عاش تفاصيل التشغيل داخل المواقع يمثل مدرسة عملية، والفني الذي يعرف طبيعة المحجر ومخاطره ومسارات الحركة داخله يمثل رصيدًا يصعب تعويضه بقرار إداري سريع.
سن الستين مطلب مشروع
من هنا تبدو الحاجة عاجلة إلى تحرك من وزارة البترول والثروة المعدنية لمخاطبة وزارة العمل، والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، والجهات المعنية، مع إعداد توصية واضحة إلى البرلمان ومجلس الوزراء بمد سن التقاعد للعاملين بالمناجم والمحاجر إلى سن الستين، مع وضع ضوابط طبية وفنية عادلة تفرق بين العامل المتضرر صحيًا والعامل القادر على العطاء، وبين طبيعة موقع شديد الخطورة وموقع آخر تراجعت فيه المخاطر بفعل التكنولوجيا ووسائل الوقاية.
حماية المتضرر وحفظ القادر
المطلوب هنا تعديل رشيد، يقوم على الكشف الطبي الدوري، وقياس التعرض الفعلي للأتربة والضوضاء، وتقييم بيئة العمل الحديثة، واعتماد تصنيف مرن للمهن والمواقع، بحيث يستمر القادرون صحيًا وفنيًا حتى سن الستين، ويحصل المتضررون صحيًا على حماية تأمينية عادلة.
حماية الإنسان وحفظ الخبرة
وبهذا يتحقق التوازن بين حق الإنسان في الحماية، وحق الدولة في الحفاظ على الخبرة، وحق القطاع في استكمال مسار التطوير بأفضل العناصر.
خبراء التعدين في خدمة الجيل الجديد
كما يمكن للوزارة أن تطلق برنامجًا خاصًا باسم «خبراء التعدين المصري»، يضم الكوادر القريبة من سن المعاش أو التي خرجت بالفعل، للاستعانة بها في التدريب، ومراجعة الخرائط الجيولوجية، ودعم أعمال المسح الجيولوجي، وتأهيل شباب المهندسين والجيولوجيين، ومراجعة بيانات مناطق الامتياز، ومساندة الهيئة في بناء قاعدة معرفة وطنية حقيقية.
إنصاف الخبرة على مكتب الوزير
على مكتب الوزير اليوم ملف يستحق نظرة إنصاف وقرارًا يليق برجال حملوا صخور مصر فوق أكتافهم، وخبرات صنعت تاريخًا من العطاء في المناجم والمحاجر، فقد أثبت المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، اهتمامًا واضحًا بالعنصر البشري، وقدم الكثير لقطاعي البترول والتعدين، وفتح أبوابًا واسعة للإصلاح والاستثمار والتطوير.
شاهد أيضا:
من منجم السكري.. وزير البترول يعلن إطلاق منتدى مصر الدولي للتعدين
ومن هذا الرصيد من الثقة، نلتمس المزيد من الدعم لهذه الكفاءات، عبر مراجعة سن المعاش، وإقرار حوافز للخبرة، وفتح مسارات تدريب واستشارة تحفظ ذاكرة التعدين المصري، فالثروة المعدنية كنز في باطن الأرض، وخبرة الرجال كنز فوقها، ونهضة التعدين تبدأ حين تصون الدولة الاثنين معًا.






