سيد الأبنودي يكتب: حين دفع العرب الجزية طوعًا

في لحظة من لحظات الانكسار التاريخي، وقف العالم يشاهد رؤساء وملوك وأمراء عرب يفرشون السجاد الأحمر، لا من أجل شعوبهم ولا لعلماء بلادهم ولا لصناع نهضتهم الغائبة، بل لأجل الرئيس أمريكي دونالد ترامب جاء لا يطلب بل يفرض، لا يقترح بل يملي، ولم يأت خالي الوفاض بل محملًا بحقائب من الطمع السياسي والاقتصادي.

حين دفع العرب الجزية طوعًا

خلال زيارة واحدة فقط، خرج من خزائن الخليج العربي ما يقارب التريليون دولار، بين صفقات تسليح واتفاقيات استثمار وحمايات مدفوعة مقدماً.

السعودية وقطر والإمارات لم تكن وحدها على الخريطة؛ بل حتى سوريا، رغم ما تمر به من دمار وعدم استقرار، ها هي اليوم تحتفي ببناء “برج ترامب” كأننا لا نزال نُجيد فن التزيين فوق الخراب، ونرسم المرايا في مدينة لا تعكس سوى رمادها.

لكن السؤال الذي يوجع القلب قبل العقل:

ماذا لو أن هذه المليارات استُثمرت فينا؟ في أوطاننا؟ في فقرائنا؟ في علمائنا؟

ألم تكن كفيلة بأن تجعل صنعاء ودمشق والخرطوم وطرابلس مدنًا تناطح سماء سنغافورة وأمستردام؟

ألم تكن كفيلة بتحويل القاهرة وبغداد إلى قلاع صناعية وتكنولوجية تملأ الفراغ الذي يتركه الغرب كلما استغنى عنا؟

ألم تكن كفيلة بتمويل تعليم لا يحتاج إلى صدقات “اليونسكو”، وصحة لا تنتظر فتات “منظمة الصحة العالمية؟

لكن كما يقول المثل الشعبي المصري بدقة موجعة:

زي القرع نمد لبره.

فبدلاً من أن نعالج فقر الداخل، نزين يد الغريب.

وبدلاً من أن نبني الجامعات والمعاهد والمختبرات، نشتري أسلحة لنستخدمها ضد بعضنا البعض، ثم نبكي على أطلال العروبة وندعو للوحدة ونحن نغرس الخناجر في ظهورنا.

لقد صارت الثروات العربية مغتربة في عقر دارها.

صارت تمشي على سجاد قصور الغرب، وتودع في مصارفه، وتوظف في مشروعاته، وكأن العربي لا يرى نفسه إلا في مرآة غيره، وكأن العربي لا يحس بالكرامة إلا إذا طبطب عليه “الرجل الأبيض”.

أما الحكاية فمؤلمة، لأنها لم تبدأ اليوم ولن تنتهي غدًا.

لقد اعتدنا أن نستهلك بدل أن ننتج، نشتري بدل أن نبتكر، نبحث عن الأمان في الخنادق الغربية بدل أن نصنعه في مصانعنا ومدارسنا ومعاهدنا.

يا سادة،

لم تكن مشكلتنا يوماً في قلة الإمكانيات، بل في ضياع البوصلة.

في أن القرار العربي اختار أن يكون تابعًا، لا شريكا، وفي أن الأنظمة تفضل شراء الولاء الخارجي على صناعة الثقة الداخلية.

وفي أن الحاكم العربي لا يثق في مستقبل بلاده، فيبحث لنفسه عن مظلة خارج حدود وطنه، ولو كلفته ترليونًا آخر.

هل كان ذلك من باب الخوف؟ أم من باب الطمع في حماية تُشترى بالمال؟ أم أنه استلاب حضاري يلبس ثياب الحداثة والاستثمار، فيما هو في جوهره عقدة دونية عمرها قرون؟

لكن يبدو أن العقل العربي الرسمي ما زال يؤمن أن البقاء في السلطة أهم من البقاء للأمة، وأن الحماية الأمريكية أجدى من الوحدة العربية، وأن القصور التي تُشيد في نيويورك وميامي أجمل من المدارس التي لم تُبنى في بغداد ودمشق وصنعاء.

ألا يذكرنا هذا بقصة “القرع” الذي لا ينمو إلا خارج بيته؟ فنحن لا نثق في فكرنا، ولا نمول علمنا، ولا نعلي من شأن مبدعينا، بينما تذهب أموالنا لتُزين اقتصادات غيرنا، وتُطعم مصانع غيرنا، وتُغني عن عرق شعوبهم.

ليتنا نؤمن بأن الكرامة لا تُشترى، والنهضة لا تستورد، والسيادة لا تُؤجر.

وليتنا نعيد تعريف “الأمن” بأنه ليس صفقة مع “ترامب” أو غيره، بل قرار شعبي، وإرادة سياسية، ووعي جمعي يزرع في الأرض ويحصد من خيراتها، لا من فُتات موائد الآخرين.

سيد الأبنودى

سيد الأبنودي، صحفي متخصص في مجال البترول والطاقة والتعدين، يتمتع بخبرة تمتد لمدة 19 عامًا في صناعة البترول، لديه خبرة غنية في مجال العلاقات العامة والإعلام، حيث قدم إسهامات قيمة وتقارير دقيقة تعكس تفاصيل الصناعة وتحدياتها _Sayed El-Abnody, a specialized journalist in the fields of petroleum, energy, and mining, boasts a 19-year experience in the petroleum industry. He holds rich expertise in public relations and media, delivering valuable contributions and accurate reports that reflect the intricacies and challenges of the industry.
زر الذهاب إلى الأعلى