سيد الأبنودي يكتب: «والصلحُ خير».. فلنبدأ الآن

في زوايا البيوت المضيئة نهارًا، والمعتمة ليلًا، لا يُسمع سوى صدى الأنين، لا يأتي من النوافذ ولا من الأبواب، بل من القلوب التي أنهكها التعب، ومن الأرواح التي لم تعد تجد المأوى داخل جدران بيتٍ كان يُسمى يومًا “عش الزوجية”.

«والصلحُ خير».. فلنبدأ الآن

هناك، تبدأ الحكاية… لا بحدثٍ صاخب، بل بسكوتٍ ثقيل، بنظرةٍ جافة، بكلمةٍ ناقصة، ببابٍ يُغلق دون أن يُقال: تصبحون على خير.

المرأة لم تكن عنيدة بطبعها، ولا مُكابِرة في مشاعرها، كانت تحلم ببيتٍ تحميه من كل ما يُخيف، لكنها رأت البيوت تنهار حولها، سمعت صرخات الأمهات، ودموع الصديقات، وخيبات الأخريات، فتوجست، بدأت تضع الحجارة حول قلبها كأنها تبني قلعة، لا لكي تتعالى، بل لتحتمي، ظنت أن الحذر ذكاء، وأن الرفض وقاية، وأن رفع الصوت وسيلة لعدم السقوط.

لكن الحذر الزائد يُصبح كالجدار السميك، يمنع الخطر، ويمنع أيضًا الضوء، وتدريجيًا تنسى أنها لا تحيا وحدها، وأن الشريك يحتاج منها ما لا تُعطيه: ثقة، طمأنينة، واحتواء، تبدأ تُحاسب على النوايا، لا على الأفعال، تقرأ الوجوه ولا تصدق الكلام، تتوقع الخذلان في كل حركة، وتُفسر كل صمتٍ كذنب، وكلما اقترب منها زوجها بخطوة، تراجعت عنه بخطوتين، خشية أن يجرحها كما جُرحت غيرها.

هو الآخر ليس خصمًا في الحكاية، لكنه تائه، يظن أن الرجولة في الأمر والنهي، في الصمت بدل الشرح، في الحزم بدل الحنان، يرى الحوار ضعفًا، والاعتذار هزيمة، فلا يلين، ولا يشرح، ولا ينتظر، ينشغل بعالمه، بعمله، بأصدقائه، وربما بهاتفه، ويترك البيت يعاني فراغه. وعندما تُعاتبه زوجته، يُقابلها ببرود: “أنتِ تُبالغين”.

شيئًا فشيئًا، يُصبح البيت جافًا، لا دفء فيه، وتتحول الزوجة من محبوبة إلى مسؤولة عن كل شيء، ويتحول هو من شريك إلى زائر ثقيل لا يُشارك في التربية، ولا في المشاعر، ولا حتى في التفاصيل الصغيرة التي تصنع العِشرة.

وحين تتشقق الجدران، لا يأتي الأقارب ليُصلحوا، بل ليُراقبوا، يسألون من باب الفضول لا من باب القرب، يُلقون اللوم، يوزعون النصائح الجاهزة، ثم يغادرون كما جاءوا، أحدهم يُشعل نارًا بكلمة، وآخر يُحبط بنظرة، وثالث يبتسم ساخرًا: “قلت لك منذ البداية.. لن تنجح”، ولا أحد يقول: “أنا هنا… لأبني، لا لأهدم”.

وفي قلب هذه العاصفة، هناك أطفال، لا ذنب لهم سوى أنهم جاؤوا إلى الحياة في بيتٍ كان جميلًا في صور الزفاف، لكنه صار حلبةً للصراع اليومي، يرون الأب غائبًا، والأم غاضبة، ويتعلمون كيف يختبئون من الانفعالات، كيف يبتلعون مشاعرهم، وكيف يُخفون دموعهم في وسائدهم.

يكبر الطفل وهو يظن أن الحب صراخ، وأن الزواج وجع، وأن الأم تبكي في الخفاء، وأن الأب لا يبتسم إلا خارج البيت، فكيف له أن يحلم بمستقبلٍ سعيد؟ كيف له أن يثق في قلبٍ إذا لم يشعر بالأمان في أول حضن عرفه؟

البيوت لا تنهار فجأة، إنها تتآكل بصمت، كما يتآكل الجدار من الداخل قبل أن يسقط، تبدأ بالسكوت عن المشكلات، بالتهرب من المواجهات، ثم بالعتاب الجارح، فالتجاهل، فالهجر، ثم الفقد، وليس فقد الطلاق هو الأسوأ، بل فقد الدفء، فقد الشغف، فقد الإحساس بأنك لست وحدك في هذا العالم.

ليس الحل في كسر الجدار، بل في طرقه بلطف، في كلمة “أنا آسف”، في حضنٍ دافئ، في ابتسامة تُقال رغم التعب، في أن ترى المرأة زوجها شريكًا لا غريمًا، وأن يرى الرجل زوجته سندًا لا عبئًا.

الحب ليس قصة خيالية، بل قرار يومي بالصبر، بالتفهم، بالعطاء دون انتظار المقابل، والزواج ليس ساحة معركة، بل مرفأ… يُلجأ إليه حين تشتد الحياة.

فيا كل امرأة تُكابر خوفًا، ويا كل رجل يتجبر صمتًا، ويا كل قريب يُراقب دون أن يُساند، لا تدعوا الأطفال يدفعون ثمن خلافات الكبار، لا تجعلوا البيت مقبرةً للمشاعر.

البيتُ يعيش بالكلمة الطيبة ويختنقُ بسوءِ الظن، وأولُ دوائه سماعُ وجهاتِ النظر كاملةً من الطرفين حتى آخرِ الجملة بلا مقاطعة ولا استعجالٍ للحُكم، فالإصغاءُ ماءٌ يطفئُ نار التأويل، وبعده يأتي دورُ القلوب العادلة؛ فإن حضر الأقارب فليحذروا التكبر واللامبالاة، وليدخلوا على الحيادية سندًا لا سيفًا، شهود خيرٍ لا قضاةَ هوى، يطفئون الشرارة ولا ينفخون في الرماد، فالبيتُ لأهله، وما زاد على النصيحة الحكيمة زيادة في الكسر؛ وعلى الرجل أن لا ينسى ما قدمته الزوجة له ولأطفاله من سهرٍ وصبرٍ وتنازلات لا تراها السجلات، وأن يكون رحيمًا بها، يوازنُ الحزم بالرفق، ويُتقنُ فن التغافل عن الهفوات الصغيرة التي لا تستحق حربًا طويلة.

فالتغافلُ مرهمُ العِشرة، والعفوُ سياجُ المودة؛ وعلى الزوجة أن تُساند زوجها على أعباءِ الحياة، تُخففُ عنه لا تُثقله، وتستمد بوصلةَ قراراتها من نبضِ بيتها لا من ضجيج من حولها، فلا تُسلم قلبها لرياح المقارنات وحكاياتِ الآخرين، وتزنُ نصائحَ القريب والبعيد بميزانِ العدل والعقل؛ وحين يرى كل منهما ما للآخر من فضلٍ وما عليه من واجبٍ بميزانٍ رقيق.

وحين تُحاطُ الخلافاتُ بصبرٍ صادق وكلمةٍ لينة واعتذارٍ كريم، يهدأُ الموجُ في صدورِ الكبار، وتطمئن عيونُ الصغار، ويعودُ للبيتِ دفؤه القديم كضوءٍ يتسللُ من شق نافذةٍ إلى قلبٍ اختار السلام على العناد، والرحمة على القسوة، والحياد العادل على الانحياز.

سيد الأبنودى

سيد الأبنودي، صحفي متخصص في مجال البترول والطاقة والتعدين، يتمتع بخبرة تمتد لمدة 19 عامًا في صناعة البترول، لديه خبرة غنية في مجال العلاقات العامة والإعلام، حيث قدم إسهامات قيمة وتقارير دقيقة تعكس تفاصيل الصناعة وتحدياتها _Sayed El-Abnody, a specialized journalist in the fields of petroleum, energy, and mining, boasts a 19-year experience in the petroleum industry. He holds rich expertise in public relations and media, delivering valuable contributions and accurate reports that reflect the intricacies and challenges of the industry.
زر الذهاب إلى الأعلى