على مكتب الوزير.. جثة أربع ساعات في محطة وقود مسؤولية من؟

معالي وزير البترول والثروة المعدنية، المهندس كريم بدوي، نرفع إليكم هذه الكلمات وقلوبنا مثقلة بالحزن، لا لشيء إلا لأن ما حدث لا يليق بإنسان، ولا يتسق مع ما نعرفه عن حرص سيادتكم على كرامة العامل وسلامته وصحته.

جثة أربع ساعات في محطة وقود

لم تكن وفاة وائل عبد الحميد محمد حسين مجرد خبر عابر أو رقم يُضاف إلى سجل الوفيات، ولم تكن لحظة طبية مفاجئة يمكن اختصارها في عبارة «سكتة قلبية».

وفاة داخل محطة غاز تكشف الإهمال

وائل، ابن الخامسة والأربعين، مدير إدارة بشركة صيانكو، والمكلف بالعمل في محطة تموين الغاز الطبيعي التابعة لشركة غازتك بمنشية كشك بديرب نجم في الشرقية، لم يسقط فجأة وسط زحام العمل أو أمام أعين زملائه، سقط وحيدًا.

ظل جسده ملقى على أرض المحطة ساعات طويلة، أكثر من أربع ساعات كاملة، دون أن ينتبه إليه أحد، ودون أن تتحرك أي آلية متابعة أو رقابة أو إنذار.

لم يكن هناك زميل وردية، ولا فرد أمن، ولا مرور إشرافي، وكأن الرجل كان يعمل خارج الزمن وخارج الحسابات، إلى أن اكتشف غيابه مصادفة عند استلام الوردية التالية.

شاهد أيضا:

على مكتب الوزير.. طفلا الشهيد محمد خميس بلا عائل وحقوقهما مؤجلة

هذا التفصيل وحده كافٍ ليهز أي ضمير مهني، كيف يعمل إنسان بمفرده داخل موقع شديد الخطورة كمنشأة تموين غاز؟ كيف تمر الساعات دون سؤال أو متابعة؟ وكيف يُترك عامل أيًا كان موقعه الوظيفي بلا حماية ولا رقابة في بيئة لا تحتمل الخطأ أو الغياب؟

مدير إدارة يُكلف بأعمال تفويل ونظافة

زملاء وائل يروون صورة أشد قسوة، يتحدثون عن حالة نفسية سيئة، عن اكتئاب وضيق وقهر، عن رجل يحمل مسمى «مدير إدارة» بينما يُكلف بأعمال تفويل ونظافة وأعمال شاقة لا تتناسب مع عمره ولا خبرته ولا حالته الصحية.

يتحدثون عن قرارات اتُّخذت منذ سنوات داخل شركة صيانكو، بتحويل فنيين ومديري إدارات تجاوزت أعمارهم الخامسة والأربعين والخمسين إلى عمال تفويل، دون إعداد كافٍ، ودون مراعاة لمفاهيم الصحة والسلامة المهنية، وكأن الخبرة تُعاقب، والسن يتجاهل، والإنسان يُستنزف حتى آخر طاقته.

تدخلًا حاسمًا

معالي الوزير، سيادتكم تضعون سلامة العامل أولوية قصوى، وتبنون خططًا لتطوير العنصر البشري، وقد تابعنا بأنفسنا ما أعلنتم عنه من إصلاحات، لكن ما جرى في هذه المحطة وفي غيرها يستدعي تدخلًا حاسمًا منكم.

مسؤلية رئيس شركة صيانكو

أما رئيس شركة صيانكو، فمسؤوليته مباشرة وجسيمة، هو المسؤول عن العنصر البشري، عن قرارات التحويل والتكليف، عن حماية العامل من الانهيار الجسدي والنفسي، تحويل مديرين وفنيين أصحاب خبرة إلى عمال تفويل ونظافة دون تأهيل أو مراعاة للسن والحالة الصحية، وتركهم يعملون في مواقع خطرة بلا مظلة أمان حقيقية، هو تقصير مهني لا يمكن تبريره تحت أي لافتة إدارية.

خلل فى غازتك

ورئيس شركة غازتك، بوصفه المسؤول عن الموقع الذي وقعت فيه الفاجعة، يتحمل بدوره مسؤولية لا تقل خطورة. المحطة محطته، ونظام الوردية والتأمين والمتابعة مسؤوليته، قبول وجود عامل وحيد داخل محطة تموين غاز، وغياب أي نظام متابعة يكشف غيابه لساعات، وترك الجثة كل هذا الوقت دون اكتشاف، يكشف خللًا جسيمًا في منظومة الرقابة والإدارة لا يمكن تحميله لمشرف أو عامل بسيط، بل يرتد إلى قمة الهرم.

وأخر بين الحياة والموت

وتتسع الدائرة حين نضع الواقعة في سياق أوسع، زملاء وائل يربطون ما جرى بحوادث أخرى داخل محطات الغاز، عامل بشركة كارجاس، الأستاذ سيد فتحي، يرقد الآن بين الحياة والموت بعد حادث خطير بمحطة الخانكة في القليوبية،  وقائع موجعة سبقت ولحقت، مرت في صمت يقترب من التعتيم، وكأن الخوف من التحقيق صار أقوى من الخوف على الأرواح.

من المقصر

الفاجعة هنا ليست في الموت وحده، بل في الطريقة، رجل يموت وحيدًا، يُترك ساعات بلا متابعة، ثم تختصر القصة في توصيف طبي، وكأن الإنسان مجرد بند إداري، هذا ليس قدرًا، بل نتيجة مباشرة لقرارات عشوائية، وتكليفات مجحفة، وغياب محاسبة، وتراكم تقصير.

هل يعلم وزير البترول

من هنا، يصبح السؤال مشروعًا وملحًا: هل يعلم وزير البترول أن عاملًا ظل جثمانه أكثر من أربع ساعات داخل محطة تموين غاز دون أن تنتبه إليه أي جهة؟ وهل يعلم بحال المصاب الآخر الذي يصارع الموت؟ وهل يقبل أن تمر هذه الوقائع بلا تحقيق شفاف وحاسم؟

إعادة النظر

سيادة الوزير، لا نطلب انتقامًا، بل عدالة، نطالب بفتح تحقيق عاجل ومستقل، ومحاسبة من قصر، وإقالة من لم يحفظ الأمانة، وإعادة النظر في كل تكليف مجحف داخل صيانكو، وضمان عدم تكليف أي عامل فوق طاقته، ومراجعة أنظمة التأمين والورديات داخل محطات الغاز.

كما نطالب بمتابعة الحالة الصحية للأستاذ سيد فتحي، وضمان حصوله على الرعاية الكاملة، حتى لا تتكرر المأساة بصيغة أخرى.

سيدي الوزير، دم وائل عبد الحميد ليس مجرد قضاء وقدر، بل نتيجة تراكمات، نثق في حكمتكم، ونرفع إليكم هذا النداء: لا تتركوا الأمر يمر، لا تتركوا الصمت يقتل من تبقى، اجعلوا من الحادث لحظة يقظة، لا مجرد فقرة في بيان نعي.

والمسؤولية الآن أمامكم، ونحن نعلم أنكم لن تتأخروا.

اللهم إني بلغت.

سيد الأبنودى

سيد الأبنودي، صحفي متخصص في مجال البترول والطاقة والتعدين، يتمتع بخبرة تمتد لمدة 19 عامًا في صناعة البترول، لديه خبرة غنية في مجال العلاقات العامة والإعلام، حيث قدم إسهامات قيمة وتقارير دقيقة تعكس تفاصيل الصناعة وتحدياتها _Sayed El-Abnody, a specialized journalist in the fields of petroleum, energy, and mining, boasts a 19-year experience in the petroleum industry. He holds rich expertise in public relations and media, delivering valuable contributions and accurate reports that reflect the intricacies and challenges of the industry.
زر الذهاب إلى الأعلى