هالة الدسوقي تكتب: بين “تحذيرات الأرصاد” وعقاب”مس آمنة”.. حكاية جيل لا يعرف الغياب

هالة الدسوقي
غدا أجازة لجميع الطلاب على مستوى الجمهورية لتوقع حدوث اضطرابات جوية شديدة، ومما لا شك فيه أن الخوف على أبنائنا من تقلبات الجو واحتمال تعرضهم للمخاطر أمر في غاية الأهمية، وكيف لا نؤيد الخوف على حياة أبنائنا ؟
إنه أمر إيجابي ، يعكس ما زودتنا به تكنولوجيا الاتصالات وسهولة التواصل بين الطلاب وأولياء أمورهم وبين المسؤولين بوزارة التعليم، والأخذ بالاعتبار ما تحذر منه هيئة الأرصاد الجوية، وما قد ينطوي عليه من مخاطر قد يتعرض لها الطلاب خلال رحلتهم إلى المدرسة.
أما نحن جيل الثمانينيات فقد كنا لا نتخيل الغياب عن المدرسة غير يوم الجمعة، بل لو حدث في يوم وأخذنا إجازة غير يوم العطلة الرسمية “الجمعة” .. فكنا نطير فرحاً ونردد الأغاني بالطرقات.
كنا أجيالاً صلبة مرتبطة بمدارسها ولا نتخيل الغياب، حيث إن المدرسة كانت هي منبع العلم ولم تكن الدروس الخصوصية ذات سطوة كما هي الآن، فالمضحك المبكي أن سنوات دراسية مصيرية مثل ثالثة إعدادي والثانوية العامة ليس لها فصول من الأساس في المدارس… وهل هذا يُعقل؟
كنا قديماً وإن أمطرت الدنيا “زلطاً” لا نغيب يوماً، إلا في أضيق الحدود. وأتذكر أني في الثانوية غبت يوماً، وكانت قد توعدتنا معلمة الكيمياء بعقاب شديد، لأننا لم نتابع معها أولاً بأول دروس الكيمياء مما تسبب في تراجع مستوانا الدراسي.
ولكن الدنيا أمطرت مطراً شديداً منذ المساء، وعند استيقاظي فزعة لظني تأخري عن المدرسة… قالت لي والدتي، رحمة الله عليها: “نامي نامي.. مش هتعرفي تمشي في المطرة دي”.. ويا له من يوم سعيد.. فقد غبنا يوماً وفلتنا من عقاب “مس آمنة”.
وقد كتبت مقالا يصف هذا اليوم الذي لم يغادر ذاكرتي، إليكم المقال :
لا أحب الشتاء .. ومن وجهة نظري هو أقسى فصول السنة .. دائما ما يسلط علينا برده القارس ورياحه اللاسعة وكثيرا ما يغيب عنا ضوء الشمس فيسكن البرد عظامنا وننكمش على أنفسنا طلبا للدفء ..
سوف يرى البعض أني أضخم الأمور لأن مصر تتميز بشتاء دافئ .. ولكن يا سادة هذه خدعة .. الشتاء هو الشتاء في أي بلد كان .. ولعلي أتمسك برأيي هذا، لأن أطرافي ذات حساسية كبيرة للبرد وكرد فعل على وجوده تتجمد هي بدورها ومهما أدفئت بها تظل مثل الثلج.
وعكس الكثير من الناس فأنا أخاف الأمطار، ليس خوف مرضي، ولكن أحب رائحتها دون أن تسقط قطراتها علي .. فلا أحتمل أن تبل ملابسي وأنا في الأساس لا أحتمل البرد فكيف بملابس مبللة.
ولأن أجمل ما في هذا الفصل هو النوم والاستمتاع بدفء الغطاء .. فكنت دائما أتمنى أن أظل نائمة ولا أفارق هذا الغطاء العزيز الغالي من أجل الذهاب في رحلة العذاب اليومية إلى المدرسة، التي كانت بمثابة عقاب لي في هذه الأيام.
بجانب منظر السماء الذي لا يقاوم وتدرجات الألوان فيها والتي كانت الشيء الوحيد الذي يجعلني أتحمل طابور الصباح للتأمل في جمالها الباهر.
وفي يوم من أيام الثانية ثانوي الباردة فاجأتنا مدرسة الكيمياء، التي أرى أنها كانت لا تجيد شرح هذه المادة، وكانت تسمى “آمنه” ودائما طالبات الفصل كانوا يلحقوا اسمها عند ذكرها بـ “وين هنادي يا أماي”، المقولة الشهيرة في فيلم “نداء الكروان”.
ولكن أمنه تركت البحث عن هنادي ولاحقتنا نحن البنات البائسات، وكان قرارها الذي لا رجعة فيه “بكرة أسئلة على كل اللي درسناه في الكيمياء”.
وحاولنا التفاوض معها لإعطائنا فرصة أسبوع للمراجعة لكنها رفضت بشدة، و توعدتنا مس آمنه قائلة “وخلي واحدة منكم تغيب بكرة”.
ومادة الكيمياء أيضا لم أكن أحبها ودائما ما كنت أؤجل مذاكرتها ولا أفتح كتابها إلا قبل الامتحان بشهر .. أما ما كان يشغل بالي فكانت مادة الأحياء التي لا تفارق يدي ولا أفرغ من رسوماتها أبدا، بل كنت أشرحها لصديقاتي في الفصل واللاتي كانوا يشدن بشرحي ويستعينوا بي وقت الشدة ..
وأذكر أن صديقتي في نفس الدكة كانت تقول أمام الفصل كله وهي كلها فخر في أني جارتها “دايما اقول انها بتشرح أحسن من مس الأحياء”.
ولكن مدرسة الكيمياء أوقعتنا أنا والكسالى من فصلنا في “حيص بيص” ..
يعني البرد وأنتِ علينا يا ست أمنه.. بعد مغادرتي المدرسة حاولت جاهدة أن ألملم جوانب المنهج الثقيلة ولكن هيهات هيهات .. يكفي رخامة الكيمياء العضوية التي لم أفهمها منها قط ..
وهيأت نفسي للعقاب غدا .. والضرب في الشتاء ذو مذاق خاص فيكون أشد قسوة من أي فصل آخر .. فالألم لا ينقطع بسهولة والاحمرار لا يختفي إلا بعد عناء .. أمري لله “هتعمل ايه يعني ضربتين من العصايه على ايدي ؟ لن تفعل الكثير!”
وفي اليوم التالي .. لم أسمع صوت أمي الحبيب وهي توقظني .. وكانت معاناة يومية لها أن توقظني أنا وأخوتي وكل منا يتمسك بالدفء والغطاء ولا يريد مفارقتهم تحت أي ضغط .. وفي النهاية نستسلم للأمر الواقع ونتوجه مبكرا للمدرسة.
استيقظت وحدي وفي بالي تعشش أمنه وأسئلتها .. وسألت أمي:” ليه مصحتنيش يا أمي تلاقيني اتأخرت على المدرسة”..
وجاء صوت أمي الحاني:” نامي نامي .. انهارده مطره وسيول ومحدش هيعرف يمشي في الشوراع” .
أيه بجد ؟ الحمد لله .. وقلت في بالي أكيد آمنه لم تقل في كلامها .. “إن شاء الله.. هههه”
وكان هذا أكثر يوم أحببته في الشتاء .. ورجعت إلى الدفء وتمسكت بغطائي في هذا اليوم.
وغابت كل الفتيات في هذا اليوم ماعدا فتاة واحدة متمسكة جدا بالعهد الذي أخذته علينا مس آمنه .. وفي اليوم التالي ليوم المطره العظيم لامتنا زميلتنا ريهام “إزاي كلكم تغيبوا وتسيبوني وحدي في المدرسة كلها”
المدرسة كلها !! إزاي يعني
أنا نزلت من بيتنا رغم المطره دي كلها وخدت تاكسي للمدرسة .. وملقتش ولا طالبة ولا مدرس ولا مدرسة ..
ههههههههههههه .. تستاهلي بجد .. عشان تبقي تسمعي كلام مس آمنه أوي .. حتى مس آمنه نفسها غابت في هذا اليوم.






