سيد الأبنودي يكتب: «تمويل التعدين».. لماذا غاب أهل الاختصاص؟

التخصص في ملفات الدولة ليس رفاهية، بل شرط لصناعة القرار الرشيد، وحين يدور اجتماع رسمي حول «التمويل والتعدين» بينما يغيب عنه ممثلو القطاع التعديني وأهل الخبرة، ويبرز في المقابل حضور مسؤول معني بنقل وتوزيع المنتجات البترولية، تتوالد أسئلة مشروعة: من يضع الأولويات الفنية؟ من يدافع عن احتياجات الصناعة؟ وكيف نطمئن المستثمر الأجنبي إلى أن مسار الشراكة مؤسس على قواعد مهنية واضحة؟

«تمويل التعدين».. لماذا غاب أهل الاختصاص؟

البيان الصادر عن وزارة البترول والثروة المعدنية بشأن لقاء الوزير المهندس كريم بدوي مع رئيس مجلس إدارة شركة IRH الإماراتية عرض نوايا حسنة ورغبة في تعاون طويل الأمد، لكنه ترك فجوة ظاهرة في البُعد الفني للتعدين.

فالتعدين ليس عنوانًا عامًا للاجتماعات، بل منظومة معقدة تبدأ من الخرائط الجيولوجية وبيانات الاستكشاف، وتمتد إلى معايير الجودة والبنية التحتية وسلاسل القيمة من الاستخراج إلى التصنيع.

غياب المرجعية التعدينية عن مشهد كهذا يفرغ النقاش من أدواته: أين خرائط الخام؟ ما أولويات مناطق البحث؟ وكيف تُضبط المواصفات والاشتراطات؟ ومن يمتلك التفويض الفني للإجابة فورًا عن الأسئلة الدقيقة التي تعني المستثمر قبل أن يضع أول دولار؟

التمويل في التعدين طبيعة مختلفة لا تُدار بعقلية النقل والتوزيع البترولي، فهو تمويل عالي الحساسية للمخاطر، يبدأ من نماذج احتمالات الاكتشاف، ويمر عبر متطلبات التراخيص والاتفاقيات، ويُقاس بقدرة المشروع على تجاوز حلقات المعالجة والتركيز والصهر والتسويق.

لذلك فإن حضور غير المختص في اجتماع محوره تمويل التعدين يبعث برسالة مربكة حول الفصل المؤسسي للأدوار، ويفقد الحوار بعض صدقيته عندما لا يرى المستثمر نظيره الفني على الطاولة.

لغة «الرؤية الطويلة» و«نقل الخبرات» مطلوبة، لكنها لا تكفي وحدها، الاستثمار الجاد يحتاج تفاصيل قابلة للتنفيذ: أي نمط تعاقدي مقترح؟ ما الحلقات المستهدفة في سلسلة القيمة: استكشاف أم تعدين أم تركيز وصناعات فوسفاتية لاحقة؟ ما إطار الشراكة المحلية ونسب المكون المحلي؟ وما مؤشرات الجدوى وأُطر الحوكمة وفض المنازعات؟ هذه أسئلة مكانها الطبيعي بين خبراء التعدين والاقتصاد التعديني، لا في قاعة يغيب عنها صوت الثروة المعدنية.

ومن الإنصاف التأكيد أن الوزير كريم بدوي راكم خلال الشهور الماضية رصيدًا معتبرًا في تعزيز إنتاجية البترول والغاز، وتحسين كفاءة العمليات، وتوسيع جسور التعاون مع شركات عالمية، هذا رصيد يُحسب للقطاع ولقيادته، ويُظهر قدرة واضحة على إدارة ملفات الطاقة المعقدة. غير أن قوة الأداء لا تُستنسخ تلقائيًا عبر القطاعات؛ فالتعدين له أدواته ومساراته وتمكينه المؤسسي المختلف، ويحتاج إلى حوكمة اختصاص دقيقة تُحضر أهل العلم إلى الصف الأول.

كان يمكن للمشهد أن يكتمل بصورة أكثر إقناعًا لو جلس على الطاولة ممثلو الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية وبيوت الخبرة الجيولوجية والاقتصادية، مع إعلان مبدئي عن «مائدة تمويل تعديني» دائمة تجمع المالية والتخطيط والبيئة والبنوك التنموية وصندوقًا سياديًا، وتعمل بأمانة فنية يقودها القطاع التعديني.

وكان من شأن «ورقة شروط مرجعية» قطاعية أن توضح نماذج العقود والحوافز ونسب المكون المحلي وآليات التسوية، مع «خارطة مشروعات جاهزة للتمويل» مرفقة بملخصات جيولوجية وتقديرات رأس المال والتشغيل ونقاط المخاطر وخطط التخفيف، وفي الخلفية جدول زمني معلن يضبط مراحل التفاوض والفحص النافي للجهالة حتى الإغلاق المالي، ورسالة اتصالية دقيقة تفصل بين أدوار البترول والتعدين وتُعرف المستثمر بنقطة تماس فنية واحدة تُجيب باقتدار.

النقد هنا ليس غاية في ذاته، ولا يستهدف الأشخاص ولا النوايا، بل يسعى إلى تصويب المسار أن تُدار اجتماعات تمويل التعدين بمنطق التعدين، وأن يجلس أصحاب الاختصاص في مقاعدهم الطبيعية، وعندها فقط تتحول العناوين الكبيرة عن «الشراكات الاستراتيجية» إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ، تعظّم القيمة المضافة من مواردنا، وتبعث برسالة ثقة للمستثمر بأن مصر تُحسن الإصغاء لصوت الخبرة قبل كل شيء.

سيد الأبنودى

سيد الأبنودي، صحفي متخصص في مجال البترول والطاقة والتعدين، يتمتع بخبرة تمتد لمدة 19 عامًا في صناعة البترول، لديه خبرة غنية في مجال العلاقات العامة والإعلام، حيث قدم إسهامات قيمة وتقارير دقيقة تعكس تفاصيل الصناعة وتحدياتها _Sayed El-Abnody, a specialized journalist in the fields of petroleum, energy, and mining, boasts a 19-year experience in the petroleum industry. He holds rich expertise in public relations and media, delivering valuable contributions and accurate reports that reflect the intricacies and challenges of the industry.
زر الذهاب إلى الأعلى