عاجل إلى وزير البترول.. الثروة في الأدراج والتعدين ينتظر قرار

معالي المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية، أكتب إليكم من موقع المسؤولية، ومن قلب المهنة التي عاهدت نفسي أن تظل في صف الدولة، وفي صف الحقيقة، أكتب إليكم وأنا أحمل أمانة الكلمة، وأؤمن أن نقل المعلومة الدقيقة واجب وطني، يخدم الصالح العام ويصون مصالح الاقتصاد المصري.
عاجل إلى وزير البترول
أنا صادق أمين لك في الكلمة والموقف، أضع أمامك الحقيقة كما هي، مسيرتي المهنية قائمة على الصدق والوضوح، وعلى انحياز كامل للدولة ومؤسساتها، دوري أن أنقل الصورة كما هي، وأن أضع أمام متخذ القرار ما يدور في الواقع، حتى تكتمل الرؤية وتُحسم الملفات بروح الإصلاح.
سيادة الوزير، الدولة مهدت الطريق لنهضة التعدين عبر إصلاحات تشريعية وترويج دولي واسع للفرص الاستثمارية، وهو جهد كبير تقوده الوزارة لفتح صفحة جديدة في استغلال ثروات مصر المعدنية، غير أن الواقع يكشف أحيانًا عن فجوة بين طموح الدولة وأداء بعض الإدارات، حيث تُدار ملفات الاستثمار بروح فردية ضيقة، وكأن القرار شأن شخصي، وكأن مسار الثروة المعدنية يمكن أن يتعطل عند رأي أو توقيع، رغم أن المرحلة الراهنة تفرض إدارة مؤسسية منفتحة تستوعب حجم التحديات وفرص الاستثمار التي تنتظر مصر.
هناك تعند ظاهر، وتأجيل متكرر، وصراعات بين أطراف فى قطاع البترول والثروة المعدنية، يفترض أن يجمعهم هدف واحد هو مصلحة مصر، هذا المشهد يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين، ويؤخر انطلاق مشروعات قادرة على تحقيق قيمة مضافة حقيقية.
ملف مشروع القيمة المضافة للفوسفات الخاص بشركة بولي سيرف للأسمدة أصبح محل تساؤل مشروع، فالفكرة الأساسية للمشروع تقوم على استثمار خام الفوسفات وتحويله إلى منتجات ذات عائد اقتصادي أعلى، بما يدعم الصادرات ويعزز موارد النقد الأجنبي، غير أن هذا المشروع ما زال يواجه حالة من التوقف في الإجراءات، وهو أمر يثير تساؤلات داخل القطاع حول أسباب التأخير، ويجعل الحاجة ملحة لقرار سريع يعيد المشروع إلى مساره الطبيعي.
ملف شركة Aton Resources ومناجم ذهب أبو مروات يثير تساؤلات مشابهة، التعديل الأخير الذي ينتظره المستثمرون لم يصل إلى الجهات المختصة حتى الآن، رغم أهمية المشروع وجدواه الاقتصادية، كل يوم انتظار ينعكس على ثقة السوق، وعلى صورة قطاع يسعى للانطلاق بقوة.
وأضيف إلى ما سبق أن الإدارة التي تتولى ملفات الثروة المعدنية، والتابعة لوزارة البترول، أصبحت تمسك بمفاصل الإجراءات بصورة كاملة، وتتحكم في مسار عدد من الاتفاقيات والمشروعات، وهو ما يجعل مسؤوليتها مضاعفة أمام الدولة وأمام المستثمرين.
هذه الإدارة تحديدًا تحتاج إلى مراجعة دقيقة، ومساءلة واضحة، وتقييم موضوعي لأدائها خلال الفترة الماضية، المرحلة الحالية تتطلب كوادر تمتلك روح الإنجاز وسرعة الحسم، وتفهم طبيعة المنافسة الإقليمية والدولية في جذب الاستثمارات التعدينية، المهمة وطنية من الطراز الأول، لأنها تمس صورة مصر في أعين كبريات الشركات العالمية.
تجربة شركة Barrick Gold، ثاني أكبر شركة تعدين في العالم، ما زالت حاضرة في الأذهان، الشركة التى كانت تعمل السوق المصرية وتأخر إبرام اتفاقية متوازنة تحفظ حقوق الدولة والمستثمر، بخصوص الشروط التجارية والمالية والقانونية لاستغلال الذهب والمعادن المرتبطة به في عدد من مناطق الامتياز الممنوحة لها فى نوفمبر 2020.
كما شهد القطاع خروج شركة B2Gold نتيجة تعثر مسار الاتفاقيات وتأخر حسم الإجراءات، وهو ما ترك أثرًا مباشرًا على صورة مناخ الاستثمار التعديني أمام الشركات العالمية.
المشهد لم يتوقف عند هذا الحد شركة Newmont، وهي أكبر شركة تعدين في العالم، تابعت تلك التطورات عن كثب، ووضعت شرطًا واضحًا قبل دراسة الدخول إلى مصر، يتمثل في متابعة ما ستؤول إليه الاتفاقيات الأخيرة التي تعطلت، وكيف ستتعامل الدولة مع ملفاتها العالقة.
المستثمر العالمي يراقب التفاصيل، ويقارن بين الأسواق، ويبحث عن بيئة مستقرة تحترم التوقيتات وتنجز الإجراءات بشفافية وسرعة، أي تعطيل أو إبطاء ينعكس مباشرة على قرار الاستثمار، وعلى ترتيب الدولة في خريطة المنافسة.
لهذا فإن مراجعة أداء هذه الإدارة، ومحاسبة المقصرين إن ثبت التقصير، وإسناد المهمة إلى من يمتلك القدرة على تسريع إجراءات المستثمرين وجذب رؤوس الأموال، خطوة ضرورية لدعم توجه الدولة نحو تعظيم الاستفادة من ثرواتها المعدنية.
قطاع التعدين فرصة تاريخية للاقتصاد المصري، والحسم الإداري جزء أساسي من نجاح هذه الفرصة، فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي يولي قطاع التعدين اهتمامًا مباشرًا ضمن رؤية شاملة لتعظيم موارد الدولة وتنويع الاقتصاد، الرؤية واضحة، والطموح كبير، والتحرك مطلوب بالوتيرة نفسها التي ترسمها القيادة السياسية.
الحكمة تقول إن من «أمن العقاب أساء الأدب»، المساءلة هنا ضرورة إدارية تحمي الدولة وتدعم الإصلاح، المطلوب مراجعة دقيقة لكل الملفات المعطلة، وتحديد المسؤوليات بوضوح، وإخراج المشروعات من الأدراج إلى ساحات التنفيذ.
الردود الإدارية وحدها لا تكفي لإغلاق هذا الملف، الحاجة قائمة إلى جهة محايدة تراجع الإجراءات من خارج الدائرة التنفيذية المباشرة، جهة ترفع تقريرًا موضوعيًا يطمئن الدولة والمستثمر معًا، يمكن أن تكون تابعة لرئاسة الجمهورية، أو لهيئة الرقابة الإدارية، أو لإحدى المؤسسات الوطنية المعنية بالتقييم الاستراتيجي، مثل الإكاديمية العسكرية.
سيادة الوزير، رسالتي إليكم نابعة من حرص كامل على نجاح مسيرتكم، وعلى أن يتحول قطاع التعدين إلى قاطرة اقتصادية حقيقية، مصر تملك الثروات، وتملك الإرادة السياسية، وتملك الكفاءات، المطلوب حسم إداري، ومتابعة صارمة، ومحاسبة عادلة تضمن أن يسير الجميع في اتجاه واحد.
الكلمة التي أكتبها أمانة، والمصلحة التي أدافع عنها هي مصلحة الدولة، والتاريخ يسجل لكل مسؤول موقفه في لحظة التحول، قطاع التعدين ينتظر قرارًا حاسمًا يفتح الأبواب، ويغلق مساحات التعطيل، ويؤكد أن مصلحة مصر فوق أي اعتبار.
حفظ الله مصر، قيادةً وشعبًا،
وأدام عليها نعمة الاستقرار والعمل والبناء.
سيد الأبنودي






