على مكتب الوزير حين يُهان الفني وتُهدر الخبرة في محطات الغاز

بدايةَ الحكاية كانت همسًا ورد إلى «على باب الوزير»، يحمل في طيّاته أنينَ رجالٍ أفنَوا أعمارهم في صيانة الأجهزة الكهربائية الدقيقة داخل شركة «صياكو» العريقة.
على مكتب الوزير أبناء صيانكو
فجأةً، وبدون مقدمات، صدر قرار بتحويلهم من ورش الصيانة إلى ساحات محطات «غازتك» و«كارجاس» ليؤدوا مهمةً لا تليق بخبراتهم ولا بأعمارهم: تفويل السيارات بالغاز الطبيعي.
رصيدُ نصفِ قرن يتبخّر في لحظة
هؤلاء الفنيون مجرد «عامل مضخة» تقارب أعمارهم الخمسين، منهم مدير عام مساعد، وآخر رئيس قسم قضى عمره بين اللوحات الإلكترونية وأسلاك التحكم والأجهزة الكهربائية والصيانة.
سنوات من الدورات المتخصصة وشهادات التقدير انقلبت، بقرار إداري جاف، إلى وقوف لساعات طوال تحت وهج الشمس، يمسكون بمسدسات الضخ ويستقطعون من صحتهم كل يوم جديد.
«أُصبتُ بانزلاقٍ غضروفي، ولا أستطيع الوقوف أكثر من عشر دقائق»، يقول أحدهم بصوتٍ متهدج، ثم يردف: «لكن رئيس الشركة لم يلتفت إلى التقاريرِ الطبية، ولا إلى حقي في العودة لموقعي الفنيّ الذي خُصص لي منذ عقدين».
بين كرامةِ المهنة وقسوةِ المعيشة
غير أن القضية ليست مرضًا يُعالج وحسب، بل كرامةُ مهنة تُصان. فالمتخصّص في صيانة الأجهزة الكهربائية وإصلاح لوحات التحكم لمنصات تكرير البترول لا يجوز أن يُختزل إلى عاملِ ضخٍّ يتلقى الأوامر من صاحب السيارة المستعجل، الكرامة المهنية هنا تُهدّد، والخبرة الوطنية تُهدر، والاقتصاد نفسه يخسر قيمةً مضافة متراكمة عبر الزمن.
لماذا التفويل؟ ومن المستفيد؟
يقول مصدرٌ نقابي، فضّل عدم ذكر اسمه، إن هدف القرار كان «سدّ عجز مؤقت» في العمالة بمحطات «غازتك» و«كارجاس» جراء التوسع السريع في منافذ بيع الغاز. غير أن «المؤقت» تحول إلى دائم، و«سد العجز» صار ذريعةً لإزاحة فنيين ذوي رواتب وخبرات مرتفعة إلى أعمالٍ لا تتطلب سوى جهد عضليّ مرهق وراتب زهيد.
التزاماتٌ قانونية ومسؤولية اجتماعية
بحسب قانون العمل المصري ولائحة الموارد البشرية لشركات القطاع، لا يجوز نقل العامل إلى وظيفة تختلف اختلافًا جوهريًا عن طبيعة عقده الأصلي إلا بموافقته الكتابية، كذلك تلزم الاتفاقيات الجماعية الشركات بتوفير «ظروف عملٍ ملائمة تتماشى مع السلامة والصحة المهنية للعامل»، فكيف استُبعدت التقارير الطبية التي تؤكد إصابة بعضهم بأمراضٍ مزمنة، من ارتفاع ضغط الدم إلى خشونة الركبة، بينما القرار الإداري لا يزال قائمًا؟
على باب الوزير… الاستغاثة
على باب مكتب معالي المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، تقف استغاثةُ هؤلاء الرجال. مطلبهم بسيط: «أعدنا إلى ورشنا التي أعددناها بعرقنا، أو على الأقل وظفونا في مواقع تناسب خبرتنا». يُدركون أن توجيهات الوزير كثيرًا ما أعادت الحق لأصحابه في مواقفٍ مشابهة، ويراهنون على وعده المعلن دائمًا: «الخبرة رأس مال لا يُهدر».
الخاسر الأكبر قطاعٌ بأكمله
حين يُجبر خبير كهربائيّ على العمل في التفويل، يخسر قطاعُ البترول مرتين: الأولى حين يُفرط في مهارةٍ نادرة، والثانية حين يُحمّل منظومة الوقود عبئًا بشريًا لا طاقة لها به، والخاسر الأكبر في النهاية هو الاقتصاد الوطني الذي ينشد تعظيم القيمة المحلية المضافة ومحاربة هجرة الكفاءات.
كلمة أخيرة
إن عمال «صياكو» لا يطلبون رفاهيةً زائدة، بل حقًّا أصيلًا في ممارسة ما وُلدوا مهنيًا لأجله، هم آباءٌ اقتربوا من عتبة الخمسين، ومصابي أمراضٍ مُثبتة، وخبراءُ نحتوا أسماءهم على آلات الصيانة التي لولاها لتوقف قلبُ محطات الغاز، الآن، يقفون على باب الوزير، حاملين في يدٍ ملفاتٍ طبية، وفي الأخرى شهادات خبرةٍ قديمة.
فهل يفتح الباب قريبًا؟ وهل تُصغي آذان الوزارة إلى الصرخة التي ارتفعت فوق هدير المضخات؟
إننا نضع هذه الكلمات على أعتاب مَن بيده إعادة الأمور إلى نصابها، مُوقنين أن العدالة المهنية ليست ترفًا، وأن الحفاظ على الخبرات الوطنية واجبُ كلّ صاحب قرار.
وبينما ينتظر هؤلاء الفنيون بارقةَ أمل، يبقى السؤال معلَّقًا في ضمير كل مسؤول: هل يليق أن يُطفأ نورُ خمسين عامًا من الخبرة تحت مسدّس تفويل؟






