سيد الأبنودي يكتب: الحقول تعرف أسماءهم.. والعقود تتجاهل أعمارهم

خلف كل برميل بترول يصعد من جوف الأرض، وكل قدم مكعبة من الغاز تتدفق إلى الشبكة القومية، وكل آلة تدور داخل حقل أو مصنع أو مستودع، يقف إنسان يحمل فوق كتفيه مسؤولية الإنتاج وأعباء الحياة، إنسان يواجه لهيب الصحراء وضجيج المعدات ومخاطر التشغيل وقسوة الغربة، حتى تستمر عجلة الإنتاج وتبقى الطاقة شريانًا نابضًا في جسد الوطن.

الحقول تعرف أسماءهم.. والعقود تتجاهل أعمارهم

بين هؤلاء تقف آلاف من عمالة المقاول داخل شركات البترول، يعملون بجوار زملائهم في المواقع نفسها، ويرتدون مهمات السلامة نفسها، ويواجهون المخاطر ذاتها، يؤدون أدوارًا أساسية في التشغيل والصيانة والخدمات والنقل والحفر والإنتاج، ورغم ذلك يظل الاستقرار الوظيفي حلمًا مؤجلًا داخل بيوتهم.

يمضي العامل عشر سنوات أو خمس عشرة سنة داخل الموقع، بينما يبقى مصيره معلقًا بين عقد ينتهي ومقاول يتغير ومستقبل غامض، وهنا يفرض السؤال نفسه: هل يستحق من منح القطاع سنوات عمره أن يعيش أسيرًا لهذا القلق؟

عامل المقاول يعرف الموقع كما يعرف ملامح بيته، ويحفظ أصوات المعدات ومسارات الخطوط ونقاط الخطر وإجراءات السلامة، اكتسب خبرته يومًا بعد يوم، حتى أصبح جزءًا أصيلًا من دورة التشغيل والإنتاج.

ورغم هذه الخبرة، تظل أوراقه الوظيفية عاجزة عن منحه الأمان الذي ينتظره، تضعه الإجراءات في منطقة مؤقتة، بينما طبيعة عمله وخبرته وسنوات خدمته تؤكد جميعها أنه ركن ثابت داخل الموقع.

القضية تتجاوز فكرة التعيين داخل شركة بترول، وتمتد إلى العدالة وكرامة الإنسان وحماية الخبرة ورد الجميل، فكل سنة قضاها هذا العامل داخل الحقل تمثل جزءًا من عمره، وكل وردية أداها تحمل قصة تعب وتضحية ومسؤولية.

يستيقظ عامل المقاول قبل شروق الشمس داخل أحد مواقع الصحراء الغربية أو خليج السويس أو سيناء أو البحر الأحمر، يرتدي ملابس العمل، ويتفقد مهمات السلامة، ثم يبدأ ورديته بين الحديد والنار والضوضاء ودرجات الحرارة القاسية.

تمر الساعات، بينما تفصله عن أسرته مئات الكيلومترات، يكبر أطفاله وهو داخل الموقع، وتعبر المناسبات والأعياد بينما يؤدي واجبه وسط الصحراء.

قد يمرض أحد أبنائه، فيتابع حالته عبر الهاتف عاجزًا عن احتضانه أو الوقوف بجواره، وعندما تنتهي الوردية، يعود إلى غرفته ويفتح شاشة صغيرة ليرى أسرته، ثم يبدأ التفكير في العقد والتأمين والعلاج والتعليم ومصير سنوات عمره.

هذه هي الغربة التي تختبئ خلف أرقام الإنتاج وبيانات الحقول وتقارير الشركات، وهذا هو الثمن الإنساني الذي يدفعه العامل بعيدًا عن عدسات الكاميرات ومنصات الاحتفال بالإنجازات.

عندما نتحدث عن عمالة المقاول، فنحن نتحدث عن عمال وفنيين وسائقين ومشغلي معدات وأفراد أمن وخدمات وصيانة وإعاشة، كما نتحدث عن تخصصات عديدة شاركت في حماية المنشآت واستمرار التشغيل ومواجهة الطوارئ.

هؤلاء صنعوا خبراتهم داخل المواقع يومًا بعد يوم، ودفعوا من أعمارهم ثمنًا لكل مهارة اكتسبوها، ومنحتهم سنوات العمل معرفة حقيقية بتفاصيل الإنتاج والسلامة والتعامل مع المواقف الصعبة.

قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 جاء بفلسفة تستهدف تعزيز الأمان الوظيفي وتحقيق التوازن بين العامل وصاحب العمل، وأصبح الإطار التشريعي المنظم لعلاقات العمل في مصر، وخلال عام 2026 استكملت الدولة إصدار قرارات تنفيذية مهمة ترتبط بحماية العامل وحقوقه.

شملت هذه القرارات تحديد الأعمال الخطرة والصعبة والمناطق النائية التي يستحق العاملون فيها سبعة أيام إضافية على الإجازة السنوية، وضمت القائمة أعمالًا ترتبط باستخراج الموارد الطبيعية وإنتاج الطاقة، وهو اعتراف رسمي بحجم المشقة والمخاطر المحيطة بهذه الأنشطة.

ومن قلب هذه الحقيقة، أوجه ندائي إلى المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، يا سيادة الوزير، افتح ملف عمالة المقاول بعقل المسؤول الذي يدرك قيمة الخبرة، وقلب الإنسان الذي يشعر بوجع الأسر المنتظرة.

وجه بإجراء حصر شامل لكل عمالة المقاول داخل شركات البترول والغاز والتكرير والبتروكيماويات والخدمات البترولية، فغياب الأرقام الدقيقة يترك آلاف العمال خارج أي رؤية جادة للإصلاح.

نحتاج إلى معرفة أعدادهم الحقيقية، وسنوات خدمتهم، وأعمارهم، وتخصصاتهم، ومؤهلاتهم، وطبيعة أعمالهم، والشركات التي يعملون داخلها، كما نحتاج إلى تحديد مدى استمرارية الوظائف التي يشغلونها وحجم اعتماد مواقع الإنتاج عليهم.

الأرقام الدقيقة تمثل أول أبواب الإنصاف، والحصر الحقيقي يكشف حجم القضية بعيدًا عن التقديرات المتفرقة، وبعد الحصر تبدأ مرحلة تصنيف الحالات وفق سنوات الخدمة وطبيعة العمل ومستوى الخبرة والاحتياجات الفعلية للشركات.

من أمضى عشر سنوات أو خمس عشرة سنة داخل الموقع ذاته، وأدى عملًا دائمًا بطبيعته، يستحق مسارًا يمنحه قدرًا أكبر من الأمان والاستقرار، ومن يعمل داخل مشروع محدد المدة يمكن تنظيم وضعه وفق طبيعة المشروع، مع حفظ حقوقه التأمينية والمهنية.

الحلول موجودة، ويمكن تنفيذها تدريجيًا من دون تحميل الشركات أعباء مفاجئة، ويستطيع القطاع وضع برنامج زمني لتسوية أوضاع أصحاب سنوات الخدمة الطويلة وفق الاحتياجات الحقيقية ومعدلات الإحلال والتوسع.

يمكن منح هؤلاء الأولوية عند فتح باب التعيينات، مع توحيد الحد الأدنى من المزايا الأساسية للعاملين داخل الموقع الواحد، كما يمكن توفير مظلة تأمين اجتماعي وصحي وتأمين ضد إصابات العمل تتناسب مع طبيعة النشاط وحجم المخاطر.

وأقترح إنشاء رقم وظيفي موحد وسجل مهني إلكتروني لكل عامل مقاول داخل قطاع البترول، يسجل هذا الملف سنوات الخدمة والخبرات والدورات التدريبية وشهادات السلامة والتقييمات المهنية والمواقع التي عمل بها.

يتغير المقاول، ويبقى تاريخ العامل محفوظًا، وتتغير الشركة المنفذة، وتظل سنوات الخبرة قائمة من دون أن يبدأ العامل رحلته عند كل عقد جديد من نقطة الصفر.

هذا السجل سيحمي حقوق العمال، ويساعد الشركات على اختيار الكفاءات المدربة، ويمنح القطاع قاعدة بيانات دقيقة عن موارده البشرية، كما سيغلق أبواب التلاعب بسنوات الخدمة والخبرة والتأمينات.

وهنا يأتي دور مجلس الوزراء في تحويل القضية إلى ملف وطني يخضع للدراسة والتنفيذ، ويستطيع الدكتور مصطفى مدبولي توجيه الوزارات والجهات المعنية لتشكيل لجنة وطنية تضع حلولًا عملية وفق جدول زمني واضح.

تضم اللجنة وزارات البترول والعمل والمالية والتضامن الاجتماعي، إلى جانب هيئة التأمينات وممثلي الشركات والنقابات، وتتولى إعداد قاعدة بيانات شاملة، ودراسة الأوضاع القانونية والمالية، ووضع خريطة طريق قابلة للتطبيق والقياس.

كما أتوجه إلى مجلس النواب، وبصفة خاصة لجان الطاقة والبيئة والقوى العاملة والخطة والموازنة، لفتح هذا الملف تحت القبة، فهؤلاء مواطنون مصريون يخدمون واحدًا من أهم القطاعات الاستراتيجية للدولة.

من حقهم أن يسمع البرلمان أصواتهم، ويدرس أحوالهم، ويتابع تطبيق التشريعات التي تحمي حقوق العامل وتحافظ على قدرة الشركات على الإنتاج والاستثما،. فالمعادلة تحتاج إلى إنصاف العامل وصون اقتصاديات التشغيل في الوقت ذاته.

المطلوب يبدأ بحصر شامل وينتهي بخريطة إنصاف واضحة، وتشمل هذه الخريطة تصنيف العمال وفق سنوات الخدمة، وحماية خبراتهم عند تغيير المقاول، وتوفير التأمين الاجتماعي والصحي المناسب لطبيعة العمل.

كما تشمل منح الأولوية في التعيين عند ظهور احتياجات فعلية، وتوحيد الحقوق الأساسية داخل مواقع العمل، وإنشاء سجل مهني يحفظ التاريخ الوظيفي، ويأتي البرنامج التدريجي لتسوية أوضاع أصحاب سنوات الخدمة الطويلة في مقدمة هذه الخطوات.

هذه المطالب قابلة للدراسة اقتصاديًا وقانونيًا وإداريًا، كما تحمل عائدًا مباشرًا على الإنتاج. فالعامل المستقر يصبح أكثر ارتباطًا بموقعه، وأكثر حرصًا على معداته، وأعلى قدرة على تطوير خبراته.

والشركة التي تحافظ على العمالة المدربة تحمي استثماراتها، وتخفض تكاليف التدريب، وتضمن استمرار المعرفة التشغيلية داخل مواقعها، وهكذا يتحول الاستقرار الوظيفي إلى مكسب للعامل والشركة والاقتصاد الوطني.

قطاع البترول المصري يمتلك كوادر صنعت تاريخًا ممتدًا من الإنجازات، وعمالة المقاول جزء أصيل من هذه المنظومة، هم حاضرون في الحقول والمصانع والمستودعات، ويقفون في الصفوف الأمامية وقت التشغيل والطوارئ.

نراهم تحت الشمس وبين المعدات وخطوط الإنتاج، ونراهم يغادرون بيوتهم لأيام وأسابيع، ثم يعودون محملين بالتعب، وفي قلوبهم حلم بسيط اسمه الاستقرار.

ولهذا أكتب اليوم عنهم، وعن أب ينتظر يومًا يشعر فيه بالأمان، وعن شاب مرت سنوات عمره بين العقود والوعود، أكتب عن أم تترقب عودة ابنها من الصحراء، وزوجة تريد أن تعرف ماذا يحمل الغد لأسرتها.

أكتب عن أطفال يرون آباءهم عبر شاشات الهواتف أكثر مما يرونهم داخل البيوت، وأكتب عن خبرات تراكمت طوال سنوات، ثم بقي أصحابها ينتظرون اعترافًا حقيقيًا بقيمتهم.

وأقول لوزير البترول ومجلس الوزراء ومجلس النواب: افتحوا هذا الملف، واجلسوا مع هؤلاء العمال، واسمعوا حكاياتهم، واحصروا سنوات خدمتهم، ادرسوا أوضاعهم حالة بحالة، ثم اصنعوا نموذجًا مصريًا يوازن بين اقتصاديات الشركات وكرامة الإنسان.

البترول ثروة، والغاز ثروة، والحقول والمصانع والمعدات ثروة، والإنسان الذي يدير هذه المنظومة ويحميها ويمنحها سنوات عمره هو الثروة الأكبر.

عمالة المقاول في شركات البترول تستحق لحظة إنصاف حقيقية تتحول فيها سنوات الشقاء والغربة والخطر إلى تقدير يحفظ الكرامة، وتستحق استقرارًا وظيفيًا واجتماعيًا وحياة كريمة لهم ولأسرهم.

فاليد التي تستخرج ثروة الوطن من باطن الأرض، تستحق أن تمتد إليها يد الوطن بالعدل والتقدير.

سيد الأبنودى

سيد الأبنودي، صحفي متخصص في مجال البترول والطاقة والتعدين، يتمتع بخبرة تمتد لمدة 19 عامًا في صناعة البترول، لديه خبرة غنية في مجال العلاقات العامة والإعلام، حيث قدم إسهامات قيمة وتقارير دقيقة تعكس تفاصيل الصناعة وتحدياتها _Sayed El-Abnody, a specialized journalist in the fields of petroleum, energy, and mining, boasts a 19-year experience in the petroleum industry. He holds rich expertise in public relations and media, delivering valuable contributions and accurate reports that reflect the intricacies and challenges of the industry.
زر الذهاب إلى الأعلى