سيد الأبنودي يكتب: «بلية» كلمة السر على مكتب الوزير

قبل أن يتم إصدار حركة تنقلات أو تكليفات جديدة، يصبح من الضروري التوقف لحظة واحدة أمام سؤال جوهري يتجاوز الأسماء والمناصب: كيف يُصنع القرار؟ ومن يقف إلى جوار من يتخذه؟ هذه اللحظة تحديدًا لا تتحمل قرارات سريعة تُرضي الشكل، ولا تحتمل إعادة توزيع مواقع بمعزل عن بناء عقل المنظومة، هنا تُختبر جدية التغيير، وهنا يتحدد الفارق بين حركة تُغير الواقع وحركة تعيد إنتاجه بصورة أخرى.

«بلية» كلمة السر على مكتب الوزير

المشكلة الحقيقية لا تكمن في غياب الكفاءات، بل في طريقة توظيفها، كثير من القرارات خرجت في أوقات سابقة من أعلى ثم هبطت على الميدان باردة، غريبة عن تفاصيله، غير مدركة لطباعه، فدفع التشغيل ثمن التسرع، ودفع الوقت ثمن سوء التقدير، ودفع الاستثمار ثمن قرار افتقد الذاكرة الميدانية.

من هنا تفرض كلمة واحدة نفسها بقوة، كلمة خرجت من قلب الورش ومن عرق الصيانة ومن صمت المواقع: «بلية».

ليست لقبًا، ولا رتبة، ولا وصفًا عاطفيًا، «بلية» هو الإنسان الذي عاش التفاصيل حتى صارت جزءًا من وعيه، الذي تعلم بالعين واليد والسمع، الذي يعرف الصوت حين يختل، والحركة حين تتغير، والرقم حين يخفي خلفه خطرًا.

في أصلها المهني، كان «بلية» بداية الطريق، شخص يبدأ من أسفل السلم، يناول الأدوات، يراقب، ينظف، يحفظ الماكينة قبل أن يحفظ أسماءها، ويقرأ العطل قبل أن يقع، ومع الوقت تتحول الملاحظة إلى خبرة، وتتحول الخبرة إلى مرجع، فيصير صاحب رأي يُطلب عند الشدائد لأنه أعمق فهمًا.

الاسم نفسه يحمل دلالة قاسية الوضوح، «بلية الرولمان» قطعة صغيرة داخل قلب الماكينة، بعيدة عن الأضواء، مسؤولة عن نعومة الحركة واستقرار الدوران، تتحمل الضغط، تقلل الاحتكاك، وتمنع التآكل، حين تتعب هذه القطعة يتوقف كل شيء، ويبدأ البحث عن السبب بعد أن تكون الخسارة قد وقعت.

هذا المعنى هو ما تحتاجه منظومة القرار اليوم، الفكرة لا تعني تحويل «بلية» إلى قائد، الفكرة أعمق من ذلك، وجود «بلية» إلى جوار القائد ضرورة، مرجعية حاضرة لحظة بلحظة، عقل يلتقط التفصيلة التي قد تغير مصير مشروع، وذاكرة مهنية توازن بين الجرأة والحساب، وبين الطموح والقدرة، القائد يرى الاتجاه، و«بلية» يحرس الخطوة.

في البترول، تأخير ربط بئر يخل بتوازنات شديدة الحساسية، وترحيل الصيانة يوسع مساحة المخاطر التشغيلية، واختيار أولويات الحفر دون قراءة عميقة يبدد الوقت والمال داخل طريق متعب النتائج.

«بلية» في التعدين ضروري لأن القطاع قائم على تفاصيل الأرض والتشغيل، في الجيولوجيا والخرائط يقرأ البيانات بعين ميدانية، يميز الإشارة الحقيقية من الوهم، ويربط الخرائط بالواقع حتى لا يضيع الاستكشاف في مسارات خاطئة، في الحفر وأعمال المناجم يضبط جودة العينات وسلوك الصخور واستقرار الجوانب، فيمنع توقفات مفاجئة وخسائر يومية.

وفي تشغيل المعدات يمسك نبض الصيانة والأعطال قبل أن تتضخم، ويقدر أثر كل قرار على الإنتاج والتكلفة، وفي القيمة المضافة يربط الخام بالمنتج، يرفع الاسترداد ويقلل الفاقد، ويختار المسار الأنسب للتصنيع بدل تصدير خام يضيع معه جزء كبير من القيمة.

لهذا تصبح الحاجة واضحة إلى وجود «بلية» متخصص مع كل قائد «بلية» فني يمسك نبض المعدات وحدود التشغيل، يقرأ العطل قبل وقوعه، ويقر أثر الصيانة والتأخير على السلامة والإنتاج، «بلية» جيولوجي يقرأ الأرض بعين خبرت الطبقات والخزانات، يميز بين ما يصلح على الورق وما يصلح تحت السطح، ويمنع إهدار المال في مسارات حفر متعبة، «بلية» إداري يضبط دورة العمل وتداخل الصلاحيات، يختصر الوقت، ويمنع الفوضى من التسلل إلى القرار عبر الإجراءات المتعثرة.

ويكتمل هذا الثلاثي بـ«بلية» قانوني واعٍ بالقانون الدولي وصياغات الاتفاقيات، يعرف كيف يحمي الحقوق ويؤمّن التزامات متوازنة في الوقت نفسه، يفتح الطريق أمام الاستثمار بدل خنقه بالإجراءات، ينجز بسرعة دون تفريط، ويغلق الثغرات التي تقود إلى نزاعات، يقرأ بنود فض المنازعات والتعويضات والالتزامات بعين تمنع انزلاق الاتفاق إلى قضايا تحكيم تُرهق الميزانيات وتستنزف الوقت.

بهذا التكوين يتحرك القائد داخل دائرة أمان معرفية، تحرس اللحظة، وتضبط الإيقاع، وتمنع الانزلاق في التوقيت، فتخرج القرارات من خانة المجازفة المغلفة بالكلمات إلى مساحة الفعل المحسوب الذي يستند إلى واقع التشغيل، ويصنع بيئة جاذبة للاستثمار.

ويبقى خيط واحد قادر على ترجيح الكفة أو تبديدها من الجذور: الإعلام والترويج والتسويق، هنا يلزم «بلية» مختلف، يفهم الملف قبل أن ينطق باسمه، يميز بين رسالة تطمئن الناس ورسالة تقنع المستثمر، يعرف متى يعلن ومتى يصمت، ويصوغ خطابًا محسوبًا يحول الأرقام الجافة إلى حكاية قابلة للتصديق، تصنع ثقة ثم تفتح أبواب اهتمام وشراكات، فالثروة لا يكفي أن تُستخرج، بل يجب أن تُقدم كما يليق بها.

ومن هنا يذهب هذا الكلام مباشرة إلى مكتب الوزير المهندس كريم بدوي المسؤول الأول، قبل إعلان أي حركة، وقبل تثبيت أي تكليف، توضع هذه الفكرة على الطاولة كاملة، حركة التنقلات القادمة فرصة لإعادة بناء عقل القرار، فرصة لوضع الخبرة في مكانها الصحيح، قريبة من القيادة، حاضرة في لحظة التقدير، شريكة في قراءة المخاطر والفرص.

هذه هي كلمة السر التي تستحق أن تُقال الآن، قبل القوائم، وقبل العناوين: مع كل قائد، ومع كل ملف، ومع كل قرار مصيري، يحتاج المشهد إلى «بلية» واحد أو أكثر، خبرة تمنع التآكل، تثبت الإيقاع، وتحفظ الدوران مستقرًا، في هذا العالم، البطولة لا تعيش في الخطابات، البطولة تسكن قلب الماكينة.

ابدأوا بـ«البلية»، ثم أعيدوا ترتيب المشهد كما تشاؤون، عندها فقط يصبح القرار ثابتًا في أرضه، والموقع أكثر قدرة على الصمود، والخطوة التالية أقرب إلى إنجاز حقيقي لا يعرف التراجع ولا يتأثر بالهزات.

سيد الأبنودى

سيد الأبنودي، صحفي متخصص في مجال البترول والطاقة والتعدين، يتمتع بخبرة تمتد لمدة 19 عامًا في صناعة البترول، لديه خبرة غنية في مجال العلاقات العامة والإعلام، حيث قدم إسهامات قيمة وتقارير دقيقة تعكس تفاصيل الصناعة وتحدياتها _Sayed El-Abnody, a specialized journalist in the fields of petroleum, energy, and mining, boasts a 19-year experience in the petroleum industry. He holds rich expertise in public relations and media, delivering valuable contributions and accurate reports that reflect the intricacies and challenges of the industry.
زر الذهاب إلى الأعلى