سيد الأبنودي يكتب: دعم حكومي غير مسبوق والتعدين للخلف در

في بلدٍ تخطو نحو المستقبل بخطوات واسعة، وتطرق أبواب التنمية بكل قوة، يقف قطاع واحد عند نقطة الصفر، لا يتقدم ولا يلتفت، كأنما اختار بإرادته أن يعاكس اتجاه الريح.
دعم حكومي غير مسبوق والتعدين للخلف در
فبينما ينسج الرئيس عبد الفتاح السيسي شبكة دعم غير مسبوقة لكل قطاعات الدولة، وبينما تحصل الصناعة والطاقة والبترول والبنية التحتية على دفعات متتالية من الدعم الحكومي، يبدو قطاع التعدين، ذلك القطاع الذي كان يعول عليه ليصبح «حصان مصر الأسود» نحو اقتصاد أكثر تنوعًا، وكأنه قد أغلق أذنيه وغطى عينيه عن اللحظة التاريخية التي كان يجب أن ينهض فيها.
الدولة تتقدم والتعدين يرفض مغادرة نقطة الصفر
لقد شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة تحولات ضخمة في إدارة الثروات الطبيعية، بدءًا من استراتيجية التحول للطاقة، مرورًا بتطوير قطاع البترول، وصولًا إلى إطلاق حزم حوافز استثمارية غير مسبوقة أعلنت عنها الدولة لجذب شركات التعدين العالمية، تخفيضات في القيمة الإيجارية لعقود التنقيب، إعفاءات ضريبية وجمركية، إصدار رخصة واحدة لأكثر من معدن، نافذة موحدة لتسهيل التصاريح، واستحداث رخصة استطلاع لتقليل المخاطر، كلها خطوات مهدت الطريق وأضاءت المسار أمام الشركات.
غير أن الطريق المُمهد ظل بلا عابرين، والممر بقي بلا حركة.
فبينما يستعد المستثمرون، شركات كبيرة وصغيرة، وأخرى متوسطة وواعدة، للوقوف على أبواب مصر التعدينية، ممسكين بحقائب تتضمن رؤوس أموال وخطط حفر ومعدات كشف وجداول استثمار طويلة المدى، فوجئوا بأن البوابة مغلقة وأن الوعود المعلنة بلا أدوات تنفيذ، وتمامًا كما يحدث في مسرح عبثي، تقف الشركات الأجنبية في طابور طويل أمام باب لا يفتح، بينما يتضح تدريجيًا أن “الوقت” أصبح يُهدر، وأنه لا مشروعات جديدة تُطرح ولا مزايدات ذهب أو خامات أخرى ترى النور.
مزايدات مرهونة بقرارات لا تخرج
الغريب أن هذا الجمود يأتي في الوقت نفسه الذي تتقدم فيه دول الجوار بخطوات حثيثة، السعودية، المغرب، الأردن، السودان، تنزانيا، غانا، كلها دول قرأت معادلة السوق وفتحت مساراتها مبكرًا، بينما في مصر، ورغم القفزات التشريعية والتنظيمية التي تحققت منذ 2020، بقيت المزايدات التعدينية مرهونة بقرارات لا تخرج، أو دراسات لا تكتمل، أو لجان لا تجتمع.
اجتماعات خارجية بلا أثر
وهكذا تحولت الحركة الكثيرة إلى حركة في الفراغ، زيارات واجتماعات خارجية بلا أثر، كلمات بلا ترجمة عملية، ووعود بلا مناقصات أو مناطق جديدة تُطرح للاستثمار.
لم يجد المستثمرون أرضًا للهبوط
قدم الوزير كريم بدوي خلال العامين الأخيرين عشرات اللقاءات الخارجية مع شركات عالمية كبرى، من أستراليا إلى كندا مرورًا بريطانيا وفرنسا، واستمع المستثمرون إلى عروض مغرية، وإلى تأكيدات رسمية بأن مصر تُعيد بناء قطاع التعدين من جديد، لكن في واقع الأمر، لم يجد هؤلاء المستثمرون “أرضًا يهبطون عليها”، أبدوا رغبتهم، قدموا أوراقهم، وأرسلوا فرقهم الفنية، لكنهم لم يجدوا ما يعملون به، لأن المزايدات الجديدة لم تُعلن، والمربعات الواعدة بقيت كما هي: على الورق فقط.
فرصة ذهبية تضيع في زمن المعادن الحرجة
إن ما يحدث اليوم لا يقل خطورة عن إهدار فرصة اقتصادية كانت من الممكن أن تغير شكل القطاع كله، فالعالم يعيش طفرة غير مسبوقة في الطلب على المعادن الاستراتيجية التي تدخل في صناعة الطاقة النظيفة، والبطاريات، والسيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، والتقنيات المتقدمة، النحاس، الليثيوم، الكوبالت، النيكل، العناصر الأرضية النادرة، كلها معادن تُعيد كتابة قواعد الاقتصاد العالمي، بينما مصر تمتلك عشرات المواقع الغنية بها لكنها لم تستغل اللحظة.
ذهب صاعد وخرائط ما زالت على الرف
بل إن الذهب نفسه، ذلك المعدن الذي يتصدر الأخبار ويجذب الشركات العملاقة، يعيش أعلى دورات الصعود في تاريخه، ومع ذلك تفتقد مصر طرحًا منظمًا ومتواصلًا لمناطق استكشافية جديدة، من منطقة بدر إلى رُميت شرقًا، ومن وادي الطميلات إلى ضفاف البحر الأحمر، كلها مناطق تحمل إمكانات هائلة، لكنها تجلس «على الرف».
حركة كثيرة ومحصلة صفر
والأخطر من ذلك أن القطاع ذاته بدأ يُصدر صورة مرتبكة للخارج، إذ تتوالى الاجتماعات الخارجية دون إعلان نتائج ملموسة، وتقام الفعاليات والمحافل الدولية بلغة جميلة ووعود طموحة، لكن دون ترجمتها إلى قرارات حقيقية، وهكذا، يتحول الأمر إلى ما يشبه “السفراء بلا حقائب”، أو الزيارات التي تقود إلى لا شيء، وهو ما وصفه بعض المستثمرين بأنه “إهدار للوقت والمال”، لأن شركاتهم لا تعمل إلا عندما تكون هناك مربعات تُطرح، ورخص تفتح، ومزايدات تُعلن.
حوافز بلا ساحات عمل
إن السؤال الذي يطرح الآن بقوة هو: كيف نطلب من المستثمر الأجنبي أن يثق بنا ونقول له تعال إلى مصر، بينما لا نطرح عليه شيئًا يعمل فيه؟ كيف نعلن عن حوافز مغرية وتسهيلات ضريبية وجمركية ونظام إيجارات منخفض ونوافذ موحدة، ثم لا نقدم له منطقة واحدة يبدأ فيها الحفر؟
التنفيذ.. الحلقة الغائبة
إن الدعم الحكومي واضح، والرؤية السياسية معلنة، والفرصة قائمة، لكن الحلقة المفقودة تكمن في “التنفيذ”، فالتعدين ليس مجرد احتفالات أو زيارات أو تصريحات، بل هو أرقام على الأرض، حفر، معدات، معامل فصل، منتجات تصديرية، وظائف، وقيمة مضافة تُغير شكل الاقتصاد.
تحديد جدول زمني سنوي
لقد أصبح من الضروري إعادة النظر في آليات طرح المزايدات، وتحديد جدول زمني سنوي مُلزم، يضمن أن مصر لا تتأخر ثانية عن الموجة العالمية الجديدة، كما لا بد من إعادة هيكلة آليات اتخاذ القرار داخل منظومة الثروة المعدنية، وفصل ما هو تنظيمي عما هو استثماري، وضمان وجود فرق فنية تمتلك القدرة على إعداد مزايدات مدروسة تُطرح بانتظام دون توقف.
إنقاذ القطاع يبدأ بقرار
إنقاذ القطاع لا يحتاج لمعجزة، يحتاج فقط إلى قرار واضح: أن تعود مصر لطرح مزايداتها كما فعلت قبل 2020، وأن تستعيد جاذبيتها التي بدأت بالفعل لكنها توقفت في منتصف الطريق.
مليارات تنتظر وقطار قد يرحل بلا عودة
فالتعدين هو القطاع الوحيد القادر على جلب مليارات الدولارات سنويًا دون ضغط على الدولار، لأنه يصدر أكثر مما يستورد، ولأنه يخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ولأنه يفتح أبوابًا جديدة لمناطق نائية تحتاج إلى التنمية.
إن اللحظة الآن هي لحظة شجاعة، إما أن نغتنم الفرصة، وإما أن يفلت القطار مرة أخرى.






