عماد حمدي منسي يكتب: من ميادين الحرب إلى حقول البترول.. حكاية استقلال

خمسة وخمسون عامًا مضت وما زالت مصر تتنفس أمجاد السادس من أكتوبر، هذه الأيام نُحيي الذكرى الـ52 لانتصارات الجيش المصري المجيد، ذلك اليوم الذي صنع فيه أبناء الوطن تاريخًا من نور، بعد سنوات حالكة الظلام.

كان أكتوبر ملحمة عز وحرية، سُقيت أرض سيناء فيها بدماء أبطالها، لتزهر أشجار الكرامة وتعلن للعالم أن مصر الهرم الصامد عبر العصور، وأن المصري صانع الحضارة ومعلِّم الأمم.

لم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة عسكرية، بل كانت درسًا عالميًا في التخطيط الاستراتيجي والمفاجأة التكتيكية التي أذهلت أعتى مراكز الدراسات العسكرية، حتى اليوم تُدرّس عبقرية العبور وإدارة المعركة في كبرى الأكاديميات العالمية باعتبارها نموذجًا فريدًا لانتصار الإرادة والتخطيط على العدو والتحديات.

استعادة الأرض والبترول معًا

بعد أن تحقق النصر واستُعيدت الأرض، بدأت معركة أخرى لا تقل أهمية عن القتال على الجبهة؛ معركة استعادة موارد مصر الطبيعية وسيادتها على ثرواتها، فقد كانت حرب أكتوبر 1973 البداية الحقيقية لعودة حقول البترول في سيناء من قبضة الاحتلال.

فبعد مفاوضات مضنية استمرت عامين، عادت الحقول في 17 نوفمبر 1975، وهو اليوم الذي أصبح عيدًا سنويًا لقطاع البترول تُكرَّم فيه رموزه وشركاته المبدعة، وظل هذا المسار مستمرًا حتى استعادة حقل شعاب علي بجنوب خليج السويس في 25 نوفمبر 1979 بعد اتفاقية السلام.

بعودة البترول إلى حضن الوطن، اشتعلت شعلة الإنتاج وبدأت عجلة التنمية تدور، تأسست الشركة العربية لأنابيب البترول (سوميد) في يناير 1974 كأول نموذج للاستثمار العربي المشترك في هذا القطاع الحيوي.

وفي 1975 أُعلن اكتشاف أول حقل غاز طبيعي في دلتا النيل «أبو ماضي»، تبع ذلك تأسيس الهيئة المصرية العامة للبترول عام 1976، وإعادة تشكيل «الشركة الشرقية للبترول» لتصبح «بترول بلاعيم – بتروبل» عام 1978.

انطلاقة قوية لثورة الغاز والطاقة

في مايو 1981 دخل الغاز الطبيعي لأول مرة المنازل المصرية بمنطقة حلوان، فاتحًا الباب لمشروع قومي امتد لاحقًا ليغطي أغلب أنحاء البلاد. وفي يونيو 1987 تحقق كشف «طارق» العملاق في الصحراء الغربية عبر شركة خالدة، الذي كان بداية لعصر جديد من اكتشافات الغاز.

وتوالت بعدها الإنجازات والاكتشافات حتى انضمت مصر عام 1989 إلى رابطة منتجي النفط الأفارقة (الأبا)، ثم استضافت القاهرة الاجتماع الوزاري الـ45 لمنظمة «الأوابك» في ديسمبر 1990.

رؤية استراتيجية ودعم رئاسي

منذ ذلك الحين وقطاع البترول المصري يواصل البناء والتوسع، يبرم الاتفاقيات مع كبرى شركات العالم للتنقيب وزيادة الإنتاج، لتأمين احتياجات السوق المحلي وخفض فاتورة الاستيراد.

واليوم، يقود القطاع فكر استراتيجي حديث يجمع بين تطوير الكوادر البشرية والتوسع الاستثماري، مدعومًا برؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي وحكومة لا تدّخر جهدًا في تمكين هذا القطاع.

يأتي ذلك متجسدًا في حراك غير مسبوق يقوده المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية من خلال زيارات ميدانية متواصلة واجتماعات دائمة مع المستثمرين، فضلًا عن حضور مؤتمرات عالمية للترويج لفرص مصر النفطية وجذب رؤوس الأموال. هذه الجهود رسّخت مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة وأعادت الثقة في قدراتها الإنتاجية والاكتشافية.

ملحمة مستمرة وبناء لا يتوقف

اليوم، ما زال العطاء المصري يتدفق في كل حقل ومنشأة، ليُكتب فصل جديد من حكاية الاستقلال الاقتصادي بعد التحرير العسكري. البترول الذي عاد مع الأرض صار شريانًا يغذي التنمية، يوفّر الطاقة ويقود الصناعة ويوسّع آفاق التصدير.

ولأن مصر تبقى أيقونة صمود وعراقة، يصدح صوت شاعر النيل حافظ إبراهيم معبرًا عن هذه الروح:

إن مجدي في الأوليات عريق … من له مثل أولياتي ومجدي

ما رماني رامٍ وراح سليمًا … من قديم عناية الله جندي

حفظ الله مصر وجعل رايتها خفاقة في سماء المجد والتنمية.

زر الذهاب إلى الأعلى