مهندس محمد فؤاد يكتب: دم الشهيد ودرس الحريق

في البداية، نقف جميعًا إجلالًا لروح الشهيد البطل، سائق الشاحنة الشجاع الذي أبى إلا أن يكون آخر ما يقدمه لوطنه هو التضحية بحياته لإنقاذ أرواح الآخرين، فقد قاد مركبته وهي تشتعل بالنيران، حريصًا على إخراجها من محيط محطة الوقود بمدينة العاشر من رمضان إلى مكان آمن بعيدًا عن المواطنين والممتلكات، وظل رغم إصابته ينادي المارة والسائقين لتحريك السيارات الملاكي القريبة من مكان الحادث، سعيًا لتقليل الخسائر وحماية الجميع.

دم الشهيد ودرس الحريق

ولم تكن هذه المأساة لتمر دون أن تلامس ضمائرنا، فقد بادر فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي والسيدة حرمه بالاتصال بأسرة الشهيد، في موقف نبيل يجبر الخواطر ويعكس عُمق الإنسانية المصرية الأصيلة.

كما لم يتوان معالي وزير البترول في الذهاب شخصيًا إلى منزل الشهيد لتقديم واجب العزاء والمواساة، وأعلن عن تعيين نجل الشهيد وابن شقيقه اليتيم بإحدى الشركات، بالإضافة إلى تخصيص وديعة مالية تساهم في إعانة الأسرة على أعباء الحياة.

وتكاملت صورة الوفاء الوطني بمبادرة كريمة من وزير العمل لصرف مبلغ مالي كبير، بينما حرص رئيس مجلس مدينة العاشر من رمضان على تخليد اسم الشهيد بإطلاقه على أحد شوارع المدينة.

ولابد هنا من توجيه الشكر لكل وسائل الإعلام، وعلى رأسها «موقع البريمة» وأسرة تحريرها، التي أولت اهتمامًا خاصًا بالقضية وتبنيتها بضمير وطني حي.

إنها مصر وهؤلاء هم أهلها؛ شعب يقف صفًا واحدًا في الأزمات، وقيادة لا تدخر جهدًا في تقدير التضحيات. لكن يبقى السؤال: ماذا بعد؟ كيف نحول دماء الشهداء إلى دروس تقي المجتمع مزيدًا من الأحزان؟

في السنوات الأخيرة، تصاعدت وتيرة حرائق محطات تموين السيارات والشاحنات الناقلة للمواد البترولية، خاصة أثناء تفريغ الحمولة، تكرار هذه الحوادث الكارثية أسفر عن خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، إلى جانب التأثيرات السلبية على البيئة وسمعة الشركات، وتعطيل الأعمال وإثارة القلق بين المواطنين.

 

وبتحليل الأسباب الجذرية لهذه الحوادث، نجد أنها تدور في مجملها حول غياب الالتزام بلوائح وقواعد السلامة والصحة المهنية، وتهاون بعض العاملين أو مسؤولي التفريغ في اتباع السلوك الآمن.

كما تبرز مشكلات تقنية، مثل عدم التأكد من سلامة أنظمة الحماية الكاثودية للخزانات المدفونة، وصلاحية كابلات وأسلاك التأريض سواء في الشاحنات أو في المحطات.

وهنا نشدد على أهمية التأريض (Earthing System) كخط الدفاع الأول في مواجهة مخاطر الكهرباء الاستاتيكية. إذ يحمي توصيل كابل الأرضي الجيد الأفراد والمعدات من الشحنات الكهربائية التي قد تتسبب في شرارة تشعل المواد البترولية القابلة للاشتعال.

كما أنه لابد من ضرورة رفع الوعي العام بين جميع العاملين بمحطات الوقود والسائقين ومسؤولي التفريغ، وأن يصبح التدريب المستمر على برامج السلامة والسلوك الآمن جزءًا أصيلاً من ثقافة العمل، مع استخدام لغة بسيطة تناسب جميع المستويات الفنية.

وتشمل التوصيات الرئيسية ما يلي:

رفع الوعي والتدريب: تنظيم برامج عملية للحفاظ على الحياة، والتوعية بمخاطر العمل وكيفية التعامل معها.

الفحص الفني المستمر: إجراء اختبارات دورية للمعدات والشاحنات، والتأكد من صلاحية الخراطيم وسلاسل وكابلات التأريض، وتفعيل نظم الحماية الكاثودية.

الملابس الوقائية: صرف ملابس واقية للعاملين، وتوفير ملابس مقاومة للحريق متى لزم الأمر.

استبعاد الشاحنات والمحطات غير المطابقة: وقف تشغيل أي شاحنة أو محطة تفتقر لمواصفات السلامة العالمية.

إجراءات هندسية مبتكرة: اقتراح إنشاء مبنى خرساني مقاوم للحريق مزود بنظام إطفاء ذاتي وكاميرات تحكم عن بُعد، يُخصص لاستقبال الشاحنات المشتعلة وعزلها عن البيئة الخارجية، أو تصنيع غطاء معدني عملاق يُغطى به الشاحنة المشتعلة لحجب الأكسجين عن الحريق وإخماده خلال دقائق.

اتباع قواعد إدارة المخاطر: بداية من الاستبدال، ثم العزل، فأساليب التحكم، مع التشديد على أهمية ملابس الوقاية، وأخيرًا العقاب الرادع لمن يخالف قواعد السلامة.

في النهاية، إن دم الشهيد خالد محمد شوقي وصرخته الأخيرة هي نداء لكل مسؤول وعامل في هذا القطاع الحيوي أن يعي قيمة الحياة، وأن يكون السلامة والوعي والالتزام هي القاعدة، لا الاستثناء.

إنها مسؤولية الجميع أن تتحول المأساة إلى منطلق لتغيير فعلي وواقعي في كل محطة وشركة وشارع.

ولتكن مصر دائمًا، كما كانت، نموذجًا في الوفاء والإصلاح والرحمة، ودائمًا حامية لأرواح أبنائها وأحلامهم.

كتبه: المهندس محمد فؤاد

محاضر دولي وخبير في قطاع البترول والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر – خبرة 36 عامًا داخل وخارج مصر

سيد الأبنودى

سيد الأبنودي، صحفي متخصص في مجال البترول والطاقة والتعدين، يتمتع بخبرة تمتد لمدة 19 عامًا في صناعة البترول، لديه خبرة غنية في مجال العلاقات العامة والإعلام، حيث قدم إسهامات قيمة وتقارير دقيقة تعكس تفاصيل الصناعة وتحدياتها _Sayed El-Abnody, a specialized journalist in the fields of petroleum, energy, and mining, boasts a 19-year experience in the petroleum industry. He holds rich expertise in public relations and media, delivering valuable contributions and accurate reports that reflect the intricacies and challenges of the industry.
زر الذهاب إلى الأعلى