هالة الدسوقي تكتب: مدارس “لم يحضر أحد”!!

أذكر تلك السيدة اللطيفة التي لم يأتِ لها ساعي البريد أو ما كنا نطلق عليه “البوسطجي” بخطاب إلا وأعطته إكرامية.
ولأنها لم تكن تكتب أو تقرأ، انتظرت عودتي من المدرسة لأقرأ لها خطاب أحضره لها البوسطجي وهي بالطبع لم تنسي الإكرامية .. قرأت لها الجواب : إنه إنذار بالفصل لابنك لعدم حضوره 4 أيام عن المدرسة.
وهنا ضحكت ضحكًا شديدًا وضحكت معها عندما قالت: “لقد أعطيت البوسطجي إكرامية على إنذار بالفصل!”
كان هذا هو حال المدارس قديمًا، وليس قديمًا بمعنى الماضي البعيد، بل في التسعينات، حيث كان من يتغيب لفترة معينة تقوم المدرسة بإرسال خطاب إنذار له بالفصل وكانوا التلاميذ ينتظمون في الحضور ولا مجال للمكوث في المنزل. أما الآن، فتحدث ولا حرج! المدارس ترفع شعار “لم يحضر أحد”.
وللتوضيح بداية من الصف الثالث الإعدادي وحتى نهاية المرحلة الثانوية لا يحضر أحد إلى المدارس سواء الحكومية أو حتى الخاصة والفصول تكاد تكون خالية، وكأن ذلك أصبح أمرا طبيعيا ولا غرابة فيه.
بل إني عندما أوجه الحديث إلى أي من طلاب الصف الثالث الإعدادي أو طلاب المرحلة الثانوية وضرورة الدوام في المدرسة، يكون ردهم: “لا أحد يذهب إلى المدرسة، اعتمادنا على الدروس الخصوصية” … والبركة في السناتر !!
والسناتر هي جمع سنتر، مكان يؤجره المدرسون ليحضر لهم جمع غفير من الطلاب مقابل مبالغ مالية ترهق جيوب أولياء الأمور وتجعلهم “يكحون تراب”، وقد يكون الطالب من النوعية التي لا ترحم فيحضر لأكثر من مدرس في المادة الواحدة.
وأذكر أنه في أيامنا، كان الدرس الخصوصي عاراً على من يأخذه ولذا كان يتكتم على الأمر، لأنه دليل قاطع على فشله وضعفه الدراسي، مهما كان مستواه المادي.
أما الآن، فأصبح هناك نوع من الفخر والتباهي بأن الطالب يأخذ في المادة الواحدة أكثر من درس، مع أكثر من مدرس، في أكثر من سنتر! وأصبح الأمر نوعًا من “الروشنة”، وكأن التفوق لم يعد في التحصيل العلمي، بل في عدد الدروس وكم حضور السناتر !!!
أما عن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه القضية .. لماذا تستمر المدارس؟ فليحولوها إذن إلى سناتر! فهي الأكثر جاذبية وفائدة للطلاب !!.. ولا عزاء لتلك المباني الخاوية من الطلاب.
ما هذا الواقع الذي وصلنا إليه؟ فالمدارس ليست مكانا لتحصيل العلم فقط ولكن مكان لتعلم الفضيلة وتحسين الأخلاق .. حقيقة لا أعلم إلى أين نحن ذاهبون! لماذا لا يشرح المدرسون في المدارس؟ وإن حضر أحد الطلاب، يأمره المدير بالذهاب إلى السنتر الفلاني لحضور الدرس مع المدرس العلاني، وإن لم يحضر، يكون هناك تهديد ووعيد !!! وذلك حسب تأكيد إحدى طالبات المرحلة الثانوية لي.
إلى هذا الحد أصبحت حياتنا كلها تجارة؟ تجارة في التعليم، تجارة في الصحة، تجارة في شتى مناحي الحياة !
هذا الوضع المؤسف يحتاج لمراجعة، بل إلى الكثير من المراجعة، ويحتاج إلى وقفة جادة. لا أعلم ممن ستكون هذه الوقفة ولمن؟ ولكن الأمر لم يعد يُحتمل!
كيف يكون للطالب فائدة من الدراسة إذا لم تكن في مدرسته، وإذا لم يكن أمامه المدرس الذي يشرح ويُعلم ويُربي، كما كان الحال قديمًا!!
ما فائدة المدرسة إذن؟ ما فائدة التعليم؟ كيف يتعلم الطالب في سنتر شديد الزحام، حيث العلاقة بينه وبين المعلم علاقة مادية بحتة ومحددة بوقت معين؟ لا أعلم كيف تسير هذه العملية التعليمية وإلى متى ستستمر بهذا الشكل!
أين نحن ذاهبون؟!






