سارة عبد اللطيف تكتب: حين يتحول «الحق» إلى تهمة

في لحظة الانهيار الأولى، تبدو الفكرة مغرية: اكتشاف خيانة، ثم هاتف يُرفع، ثم كاميرا تُسجّل، ثم تهديد بالنشر. في ذهن صاحبها هي «توثيق للحقيقة» و«رد اعتبار»، وعلى مواقع التواصل، كثيرًا ما يُصفَّق لمثل هذه المشاهد باعتبارها شجاعة. لكن القانون لا يقرأ المشهد بعين الجمهور.
حين يتحول «الحق» إلى تهمة
وهنا المفارقة التي لا ينتبه لها كثيرون: من دخل القصة وهو يظن نفسه المجني عليه قد يخرج منها متهمًا في أكثر من قضية، بينما يتراجع موقف خصمه، رغم خطئه الأصلي، أمام الأخطاء التي ارتكبها الطرف الأول بيده.
الخصوصية حق لا يسقط بالخطأ
يحمي القانون المصري الحياة الخاصة بنص الدستور وبنصوص قانون العقوبات. فتصوير شخص أو تسجيله في مكان خاص دون رضاه جريمة، عقوبتها الحبس، ولا يغير من ذلك أن المُصور أخطأ فعلًا في حق من صوره.
القاعدة هنا بسيطة وقاسية: القانون لا يعرف «الجزاء من جنس العمل». كل فعل يُحاسَب عليه صاحبه منفصلًا عن الفعل الذي سبقه، خطأ الشريك لا يمنح الطرف الآخر ترخيصًا بانتهاك خصوصيته.
التهديد بالفضح.. جريمة قائمة بذاتها
الخطوة التالية، وهي التهديد بنشر المحتوى أو نشره فعلًا، تنقل صاحبها إلى ساحة أخطر: جرائم تقنية المعلومات، فقد وضع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات عقوبات تجمع بين الحبس والغرامات الكبيرة لمن ينتهك حرمة الحياة الخاصة عبر الوسائل الرقمية.
والأهم أن صحة المحتوى لا تشفع لناشره، فالسؤال أمام المحكمة ليس «هل ما نُشر حقيقي؟» بل «هل نُشر بإذن صاحبه؟»، ولو كان المنشور صادقًا تمامًا، فالنشر نفسه يظل مخالفة يُعاقب عليها القانون، بمعزل عن أي نزاع أسري.
دليل لا يساوي ثمن الورق
يغفل من يسلك هذا الطريق عن مفاجأة أخرى: ما يُنتزع من إنسان تحت التهديد والترهيب وفي حالة انهيار نفسي يفقد قيمته كدليل، فالإكراه، ولو كان معنويًا، يُبطل الاعتراف أمام القضاء.
فيجد صاحب «الدليل القاطع» نفسه أمام قاضٍ لا يعتدّ بما جمعه، أما الفيديو الذي صوره بنفسه فيبقى قائمًا، لكن ضده هو، موثقًا بيده.
وللمحاكم المدنية رأي أيضًا
لا تتوقف العواقب عند الحبس والغرامة، فهذا السلوك يفتح الباب أمام دعاوى تعويض مدني عن الضرر المادي والمعنوي الذي أصاب المُصور، فيتحمل صاحب الكاميرا عبئًا ماليًا فوق العبء الجنائي.
الغضب لا يصلح مستشارًا قانونيًا
ليست القضية قصة بعينها، بل ثقافة قانونية غائبة. فكثيرون يديرون أزماتهم الشخصية بردود أفعال عاطفية، وكأن القانون يسأل «من أخطأ أولًا؟» بينما هو يسأل «ماذا فعلتَ أنت؟»، وفي زمن صار فيه الهاتف قاضيًا وجلادًا في يد كل منا، تصبح معرفة حدود القانون خط الدفاع الأول عن أنفسنا:
التصوير في الأماكن الخاصة دون إذن جريمة، مهما كان ما يظهر في التسجيل.
النشر أو التهديد به جريمة مستقلة، ولو كان المحتوى صحيحًا.
ما يُنتزع بالتهديد لا قيمة له قانونًا، ويضر من انتزعه أكثر مما ينفعه.
استشارة محامٍ قبل أي خطوة انتقامية أهم من أي «لقطة» قد تتحول إلى سنوات في قاعة المحكمة.
فمن جُرح في بيته له أبواب كثيرة يطرقها: القضاء، والمحامي، والجهات المختصة، أما كاميرا الهاتف فليست بابًا منها، وقد تتحول من أداة «توثيق» إلى أول وثيقة اتهام ضد صاحبها.






