هالة الدسوقي تكتب: مواطن من خارج المجرة !

في سجل مدني إمبابة، قابلت هذا الشاب العشريني، كنا ننتظر معًا خارج السجل لحين الحصول على رقم للدخول إلى السجل للحصول على شهادة ميلاد كمبيوتر.
حالة الشاب مزرية؛ يبكي صغيره المريض والذي يتوقف دخوله المستشفى على شهادة ميلاد كمبيوتر. وهو مُجبر على الانتظار، وبين اللحظة والأخرى يترجى هذا الأمين ليسمح له بالدخول لأن ولده على وشك الموت وهو يقول له: “حاضر”! وعلى قلبه مجموعة مراوح لا عدد لها.
وجميعنا كنا في انتظار الفرج، ولكن انتهت الأعداد التي سبقتنا والمواطنون الذين حصلوا على الشهادات انصرفوا، ونحن في انتظار الأمين والموظفة تعاني من أن هناك عطلة.
تأخر علينا أمين الشرطة، صاحب القلب المزود بمراوح، وكان السجل يعاني من حالة غريبة: الأرقام انتهت.. نحن ننتظر.. والموظفة تنتظر.. وندخل ونخرج.. كموج البحر نقبل وننحسر.. البعض قلق من إثارة غضب الأمين.. والبعض بحث عن الضابط للشكوى.. وآخرون تشجعوا وذهبوا للشباك دون أرقام… وهنا اعترضت الموظفة واتجهت للضابط معترضة على غياب الأمين في ظروف غامضة… وعموم الفوضى في السجل.
وأخيرًا ظهر الأمين، الرايق أبو مراوح، ليعطينا الأرقام لنتوجه إلى الموظفة التي اعترضت بشدة على توقف العمل، فكانت في انتظار ونحن في انتظار والأمين صاحب التحكم في هذه العملية في “الباي باي”.
وبالعودة إلى الوالد الشاب على أمل أن يعود إلى طفله ويجده على قيد الحياة ومعه ماء المحياه “الشهادة الكمبيوتر” ويدخل المستشفى التي رفضت دخوله.
والله كما أحدثكم، ولماذا أحلف؟! فالجميع على علم بتلك الإجراءات الخانقة والتي تجعل الإنسانية في ذيل القائمة، لا قبول للطفل ولا قبول لحالته إلا بشرطهم، ولا يهم إن كان اقترب أجله أو على شفا الموت فلا يعنيهم.
ومن المفترض قبول الطفل ببطاقة أبيه ودخوله المستشفى، وبعدها يتدبر الأب مسألة شهادة الميلاد… فالأب مصري ومعه بطاقة صادرة من الحكومة المصرية، وبالتالي طفله مصري وليس مواطنًا من خارج المجرة. وإن نسي الأب أوراقه كاملة، فإنقاذ الحياة لابد أن يكون هو الهدف، بعدها يأتي دور الأوراق، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32).
كما أن المستشفى مصريًا وبأموال المصريين، فلما يُحرم المصريون من حقوقهم بحجج عقيمة، لم ينزل بها الله من سلطان، وليس هناك داع لكل ما يحدث.
وفي السنوات الأخيرة في مصر يا سادة.. أصبح من المتبع ألا يتم الدخول إلى المستشفيات إلا بشهادات الميلاد أو للكشف أو الفحص أو الحجز للأطفال، ولا أعلم على ماذا بنيت هذه الفكرة، قد تكون نظامية فبشكل نظامي قد تكون صحيحة، ولكنها بالشكل الإنساني غير صحيحة بالمرة.
هل يُفترض أن يفكر أهل المريض في لملمة أوراقه قبل التوجه للمستشفى أم يتوجهون دون أن يفكروا في أي شيء سوى إنقاذ حياته؟
أذكر أني كنت في معهد السمع والكلام وقالت لي إحدى السيدات أنها تتحرك بحقيبتها وفيها كل شهادات ميلاد أولادها، فإذا دخلت إلى المستشفى تجدها معها، أو إلى مصلحة حكومية أيضًا تكون معها، وإلى مدرسة معها وهكذا.
هذا من المفترض أن يكون نظامًا مُتبعًا مع الجميع وأن تتحرك بكافة أوراقك الرسمية وأوراق العائلة أينما توجهت!
أيضًا هناك تقليد متبع في السنوات الأخيرة، وهو إحضار شهادة ميلاد كمبيوتر حديثة من جانب المصالح الحكومية خاصة المدارس، فعند النقل من مدرسة إلى أخرى في صفوف النقل مثلاً، لا بد من استخراج شهادة ميلاد حديثة حتى وإن كان لدى ولي الأمر شهادة ميلاد مسبقًا، فتكون حسب طلبهم لا تصلح.
رغم أنه إجراء لا يطرأ عليه أي تغيير. فالأم ثابتة والأب غير قابل للتغيير، كذلك الابن والابنة، تاريخ الميلاد ومحل الميلاد، كلها معلومات غير قابلة للتغيير.
ناهيك عن كم الزحام الذي تعانيه السجلات المدنية وقت بداية المدارس أو التقديمات… معاناة لا تنتهي.
إجراءات عقيمة مرهقة لا بد من مراجعتها من قِبل المسؤولين إن كان يهمهم.. كما يرددون.. مصلحة المواطن، الذي أصبح في حالة يُرثى لها.






