سيد الأبنودي يكتب: تعليم بلا رحمة وأمهات مصر تطلب الإنقاذ

في بيوت مصر الممتدة على طول الحزن والعزيمة، لم تعد ضحكات الأطفال تتردد كما كانت، ولا عاد فنجان الصباح يدفئ قلوب الأمهات كما كان.

تعليم بلا رحمة وأمهات مصر تطلب الإنقاذ

تبدل كل شيء حتى البيوت التي كانت عامرة بالمحبة، صارت أشبه بلجان امتحان لا تُغلق أبوابها أبدًا، ومواقيت الراحة تحولت إلى حصصٍ إضافية، ومقاعد المذاكرة صارت زنزانة للطفولة لا يُسمع فيها صوت اللعب، ولا يُرى فيها ظل بهجةٍ أو ملامح حياة.

الأم المصرية اليوم لا تنام، تنهض قبل الفجر لتعد حقيبة مثقلة بالواجبات، وتظل حتى منتصف الليل تراجع وتشرح وتُهدى أعصاب طفل بكى لأن «الدرس صعب».

تتحول كل لحظة في يومها إلى امتحانٍ من نوعٍ آخر، امتحانٍ في الصبر والتحمل، في الحنوّ والكتمان، في الصراع بين القلب والعقل.

فماذا فعلتم بالتعليم حتى صار لعنة تلاحق الصغار وتُنهك الكبار؟

أي فكرٍ تربويٍّ هذا الذي يُقاس فيه نبوغ الطفل بعدد الامتحانات لا بعدد الأسئلة التي تثير فضوله؟

وأي تطويرٍ هذا الذي يصنع من الطفولة سباقًا محموماً نحو اللاشيء؟

لسنا ضد وزيرٍ بعينه، ولا نخاصم التطوير ولا نرفض التعلم لكننا نرفض أن يتحول التطوير إلى سيفٍ يُشهر في وجه الطفولة، نرفض أن تُقاس العقول الصغيرة بمقاييس الحديد، ونرفض أن تتحول بيوت المصريين إلى ساحات استنزافٍ لا تنتهي.

لسنا ضد الإصلاح، لكن الإصلاح لا يكون بأن تُغرقوا الطفل في بحر من المناهج الصماء،
ولا بأن تُحملوا الأم عبءَ معلمٍ ومُراجع ومُوجهٍ في آنٍ واحد.

نحن مع التعليم، ولكن التعليم الذي يُربي الروح قبل الكتاب، ويُنمّي العقل دون أن يُطفئ القلب، ويزرع في الطفل حبّ المعرفة لا خوف الرسوب.

في كل بيتٍ اليوم حكاية طفل يبكي لأن «التقييم الأسبوعي» لم يكن كما تمنت أمه، وأم تبكي لأنها تشعر بالذنب إن تركته يستريح.

أسر تتفكك ببطء، وجلسات العائلة انكمشت لتفسح المكان لدفاتر الواجبات.

لم يعد هناك وقت لرياضةٍ أو هوايةٍ أو زيارة جد أو جدة اشتاقت لحفيدها تبدلت اللغة بين الأمهات والأبناء: “راجع الدرس.. خلّص الواجب.. احفظ بسرعة.. بكرة امتحان!”
وكأننا جميعًا نعيش داخل سباق لا خطّ للنهاية فيه.

نظام يُبدد الأحلام

من رياض الأطفال إلى الثانوية، مناهج تُرهق الكبار قبل الصغار، مواد تفوق طاقة الفهم، ومصطلحات لا تحتملها أعمارهم.

كيف لطفل في السادسة أن يُمتحن كما يُمتحن طالب الجامعة؟

كيف نغرس في قلبه حبّ التعلم ونحن نزرع الخوف في عينيه؟

إن التعليم الذي يُطفئ الطفولة لا يُنير المستقبل، والمناهج التي تُرهق الأُسر لا تُخرج مبدعين، بل تُخرج أجيالًا مرهقة، فاقدة الشغف، لا تعرف سوى القلق والعجز.

خطة دولة لا نزوات وزراء

التعليم لا يجب أن يكون ملعبًا يتبارى فيه كل وزيرٍ بخطةٍ جديدةٍ ليثبت أنه مختلف.

كل وزيرٍ جاء، مزق ما قبله، ووضع ما يشاء،
فكانت النتيجة: تراكم فوضى لا رؤية فليكن للتعليم في مصر دستور دائم لا يتغير بتبدل الأشخاص، ولتُصغ هذه الخطة بأيدي العارفين لا بأهواء الطامحين.

تجارب العالم أمامنا، والخبرات متاحة،
لكننا نصر على البدء من الصفر في كل مرة حتى صار أطفالنا حقل تجاربٍ لكل فكرةٍ عابرة.

نداء إلى قلب الوطن

من قلوب الأمهات المنهكات، نرفع النداء إلى السيدة انتصار السيسي، رمز الأم المصرية وضميرها.

وإلى المجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي للأمومة والطفولة، والمجلس القومي لحقوق الإنسان:
أنقذوا الأسرة المصرية من هذا الاستنزاف،
أعيدوا للبيوت سكينتها، وللأطفال براءتهم، وللأمهات راحتهن.

راقبوا ما يحدث خلف جدران المنازل،
حيث تنهار النفوس بهدوء، وحيث تُهم الأمهات في معركةٍ لم يخترنها.

لسنا ضد التعليم بل ضد ضياع المعنى نحن لا نطلب تعليمًا أسهل،
بل نطلب تعليمًا أذكى، أرحم، أكثر إنسانية.
نطلب مدرسة تُعيد صياغة الروح قبل المنهج،
تُعط للعقل غذاءه وللقلب نصيبه من الدفء.
نطلب نظامًا يُنصف الأمهات، ويجعل من العلم طريقًا إلى الحياة، لا سجنًا للحياة ذاتها.

التعليم الذي يُفترض أن يبني الإنسان،
لا يجوز أن يكون هو نفسه الذي يهدم البيوت ويُطفئ الشغف.

فما نفع وطن يتعلم أبناؤه دون أن يعيشوا؟ وما جدوى شهاداتٍ تُعلّق على جدران بيوتٍ خاليةٍ من الفرح؟

أعيدوا الطفولة إلى أصحابها أعيدوا للبيت المصري ضوءه، وللأم المصرية ابتسامتها،
وللطفل المصري حقه في أن يكون طفلًا لا آلة تُنتج إجابات.

أعيدوا للتعليم معناه، وللتطوير روحه، وللتعلم إنسانيته فليكن الإصلاح طريقًا يمر من القلب قبل اللوائح، ومن الوعي قبل القرارات.

إننا لا نحارب وزيرًا، ولا نخاصم التطوير،
لكننا نقف في صفّ الإنسان صف الأم التي أنهكها الواجب، والطفل الذي ضاع بين الكتب،
والأسرة التي تبحث عن لحظة راحةٍ في وطنٍ بات يُمتحن كل يوم.

فلتكن هذه الصرخة ضميرًا للوطن:
التعليم ليس أوراقًا تُحفظ بل حياةٌ تُبنى.
وحين يُعاد للإنسان مكانه في قلب المنظومة،
حينها فقط تتعلم مصر من جديد، وتنهض كما يليق بها.

سيد الأبنودى

سيد الأبنودي، صحفي متخصص في مجال البترول والطاقة والتعدين، يتمتع بخبرة تمتد لمدة 19 عامًا في صناعة البترول، لديه خبرة غنية في مجال العلاقات العامة والإعلام، حيث قدم إسهامات قيمة وتقارير دقيقة تعكس تفاصيل الصناعة وتحدياتها _Sayed El-Abnody, a specialized journalist in the fields of petroleum, energy, and mining, boasts a 19-year experience in the petroleum industry. He holds rich expertise in public relations and media, delivering valuable contributions and accurate reports that reflect the intricacies and challenges of the industry.
زر الذهاب إلى الأعلى