على مكتب الوزير.. مذكرة إنقاذ خبرات التعدين تنتظر الحسم

في قطاع تُقاس خبرته بعمر الجبال، تغادر الكفاءات مواقعها عند الخامسة والخمسين، حاملة معها سنوات من المعرفة التي صنعتها الصحراء والمناجم والمعامل.

مذكرة إنقاذ خبرات التعدين

يخرج الجيولوجي أو المهندس أو الفني بورقة معاش، فتخسر الدولة ذاكرة ميدانية يصعب استعادتها، ويبدأ القطاع رحلة مكلفة لتدريب بديل يحتاج أعوامًا حتى يبلغ مستوى الخبير المغادر.

جاءت تشريعات التقاعد المبكر للعاملين بالمناجم والمحاجر في زمن كانت فيه المعدات محدودة، والأعمال تعتمد على الجهد البدني، ووسائل الوقاية أقل كفاءة، تغير المشهد اليوم، فالتكنولوجيا الحديثة، وكابينات التشغيل المغلقة، وأنظمة شفط الأتربة، وأجهزة التنفس والمراقبة والتحكم عن بُعد، أسهمت في تقليل المخاطر وتهيئة بيئة أكثر أمانًا.

ومع هذا التطور، ما زالت خبرات كثيرة تغادر عند سن 55 عامًا، رغم قدرتها على العطاء والتدريب والإشراف خمس سنوات أخرى، وتتضاعف الخسارة بعد سنوات طويلة من محدودية التعيينات، واتساع الفجوة العمرية، وتراجع أعداد الصفوف المؤهلة لتسلّم المسؤولية فورًا.

تمتد الخسارة إلى السلامة والإنتاج وجودة القرارات الفنية، فالخبير المغادر يعرف تاريخ الموقع ومكامن الخطورة وطبيعة الخام وأسباب الأعطال وطرق مواجهتها، هذه معرفة تراكمية تسكن ذاكرة الإنسان أكثر مما تسكن الملفات، وخروجها المفاجئ يترك فراغًا قد تظهر تكلفته داخل المنجم بعد سنوات.

سبق أن جرت مخاطبة الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة بشأن مد سن التقاعد إلى الستين، وهنا يطرح العاملون سؤالًا عاجلًا: أين وصلت المذكرة؟ هل انتهت دراستها؟ هل أُرسلت إلى مجلس الوزراء وأصبحت في انتظار الموافقة؟ أم توقفت داخل دورة مستندية تحتاج إلى تحرك سريع؟

كل يوم تأخير يدفع كفاءة جديدة نحو بوابة المعاش، والوقت يتحرك ضد القطاع في لحظة تشهد مزايدات وفرصًا استثمارية ومشروعات للقيمة المضافة، وجهودًا كبيرة يقودها المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، لتهيئة مناخ الاستثمار وتحويل مصر إلى دولة تعدين واعدة.

الاستثمارات القادمة تحتاج إلى كوادر تعرف طبيعة الأرض المصرية، وتفهم الخامات، وتملك خبرة إدارة المناجم والتعامل مع المستثمرين ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة، يستطيع المستثمر جلب التمويل والمعدات، أما الخبرة الوطنية فتحتاج عقودًا حتى تتكون.

ويأتي إنشاء مدرسة فوسفات مصر الدولية للتكنولوجيا التطبيقية خطوة مهمة لإعداد جيل جديد، غير أن هذا الجيل يحتاج إلى خبراء يتولون تدريبه وينقلون إليه أسرار المهنة.

ومن هنا يأتي النداء إلى وزير البترول للتدخل شخصيًا، واستعجال رد التنظيم والإدارة، وكشف مصير المذكرة، وتحديد أسباب التأخير والجهة التي وصل إليها الملف، وإذا كانت المذكرة أمام مجلس الوزراء، يصبح الإسراع بعرضها واستكمال إجراءاتها ضرورة لحماية القطاع.

الحل العادل يتمثل في جعل الخامسة والخمسين محطة تقييم صحي ومهني، مع منح القادرين فرصة الاستمرار اختياريًا حتى الستين، وإجراء فحوص دورية، وتصنيف الوظائف وفق درجات الخطورة، والاستفادة من أصحاب الخبرة في التدريب والإشراف والأعمال الفنية والاستشارية.

معالي الوزير، كل الطرق أصبحت مهيأة كي تصبح مصر قوة تعدين حقيقية بكوادرها وأبنائها وثرواتها، وحماية الخبرات تمثل الضمان الأهم لنجاح الاستثمارات القادمة.

حسم المذكرة اليوم يحفظ للدولة عقولًا صنعتها طوال عقود، ويمنح التعدين المصري الرجال القادرين على تحويل كنوز الأرض إلى تنمية واقتصاد قوي.

سيد الأبنودى

سيد الأبنودي، صحفي متخصص في مجال البترول والطاقة والتعدين، يتمتع بخبرة تمتد لمدة 19 عامًا في صناعة البترول، لديه خبرة غنية في مجال العلاقات العامة والإعلام، حيث قدم إسهامات قيمة وتقارير دقيقة تعكس تفاصيل الصناعة وتحدياتها _Sayed El-Abnody, a specialized journalist in the fields of petroleum, energy, and mining, boasts a 19-year experience in the petroleum industry. He holds rich expertise in public relations and media, delivering valuable contributions and accurate reports that reflect the intricacies and challenges of the industry.
زر الذهاب إلى الأعلى