سيد الأبنودي يكتب: جدل الغاز وحدود المعرفة

بعض الأصوات تتعامل مع ملف الغاز والبترول كأنه أرقام ثابتة أو عناوين صالحة للجدل السريع، بينما الواقع أكثر تعقيدًا وحساسية، أرقام تتحرك لحظيًا، ومعادلات تتبدل وفق الإنتاج والطلب والطقس والصناعة والبنية التحتية، وكل بئر جديد أو توقف طارئ أو شحنة تدخل الشبكة يعيد تشكيل المشهد كاملًا، ويتطلب فهمًا لمنظومة تعمل على مدار الساعة، لا آراء سطحية تفتقر للمعرفة الدقيقة بطبيعة هذا القطاع المتغير.

جدل الغاز وحدود المعرفة

الحديث عن أزمة غاز في ظل استقرار منظومة الكهرباء يطرح سؤالًا منطقيًا: كيف تكون هناك أزمة، ومحطات الكهرباء تعمل دون انقطاعات، والمصانع كثيفة الاستهلاك تواصل الإنتاج، والمنازل تحصل على احتياجاتها اليومية؟ استهلاك محطات الكهرباء وحدها يقترب من 3.2 مليار قدم مكعبة غاز يوميًا، أي ما يعادل نحو ثلاثة أرباع الإنتاج المحلي البالغ قرابة 4.2 مليار قدم مكعبة يوميًا بنهاية 2025، هذا الرقم وحده يكشف حجم الضغط الواقع على منظومة الغاز، ويؤكد في الوقت نفسه قدرة المنظومة على الاستيعاب والتشغيل.

الوزارة وضعت نصب أعينها أولوية واضحة تتمثل في زيادة الإنتاج المحلي من الزيت الخام والغاز الطبيعي، بهدف خفض فاتورة الاستيراد وتأمين احتياجات صيف 2026، عبر الإسراع بإدخال آبار جديدة على الإنتاج ضمن خطة خمسية ممتدة حتى 2029/2030.

هذه الخطة لا تقوم على الوعود، وإنما على برنامج حفر واسع يشمل أكثر من 100 بئر استكشافي خلال العام الجاري، ضمن مسار يصل إلى نحو 500 بئر حتى عام 2030، مع التركيز على إضافة احتياطيات جديدة ورفع إنتاج الحقول القائمة.

في موازاة ذلك، جرى إطلاق إجراءات تحفيزية وحوافز جديدة لتشجيع الاستثمار في أنشطة البحث والإنتاج، مع انتظام سداد مستحقات الشركاء الأجانب، وهو عنصر محوري في استعادة الثقة وتحفيز الشركات العالمية على توسيع برامج الاستكشاف والتنمية.

كما تم سداد نحو 8.5 مليار دولار من مستحقات شركات البترول الأجنبية حتى أغسطس 2025، وهو رقم يعكس جدية التعامل مع هذا الملف، ويعيد ترتيب العلاقة على أسس أكثر استقرارًا.

الصورة الأوسع تكشف أن استهلاك مصر الكلي من الغاز الطبيعي لكافة الأنشطة، من كهرباء وصناعة ومنازل وغاز سيارات، يتراوح بين 6.3 و6.4 مليار قدم مكعبة يوميًا بنهاية 2025، الفارق بين الإنتاج والاستهلاك يتم تدبيره عبر الاستيراد واستخدام منظومة سفن التغييز، في إطار إدارة مرنة للموارد تضمن استدامة الإمدادات دون تحميل الشبكة ضغوطًا مفاجئة.

مصر اليوم تمتلك ثلاث سفن تغييز قادرة على ضخ نحو 2.25 مليار قدم مكعبة غاز يوميًا عبر أرصفة العين السخنة، إضافة إلى سفينة رابعة في الأردن، وهو ما وفر غطاءً تشغيليًا مريحًا للشبكة القومية.

نجاح منظومة سفن التغييز أسهم في تأمين الطلب المتزايد، خاصة مع الطفرة العمرانية والصناعية التي تشهدها البلاد، مصانع جديدة تدخل الخدمة كل يوم في مجالات البتروكيماويات والزجاج والحديد والبلاستيك، إلى جانب آلاف المصانع الصغيرة، وجميعها تعتمد على الغاز الطبيعي كوقود رئيسي، هذا التوسع يفرض بطبيعته ضغطًا متزايدًا على الاستهلاك، وهو أمر طبيعي في اقتصاد ينمو ويتوسع، ويقابله في الوقت نفسه تنمية مستمرة للحقول وحفر آبار جديدة.

على صعيد آخر، تم تعظيم الاستفادة الاقتصادية من محطات الإسالة المصرية، سواء من خلال تصدير شحنات محدودة حين تسمح ظروف السوق، أو عبر جاهزيتها الفنية لاستقبال وتداول الغاز القبرصي خلال المرحلة المقبلة، هذه المرونة تعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة، وتمنحها قدرة على التحرك بين تلبية السوق المحلي والانفتاح على الفرص الإقليمية.

البحر المتوسط يظل أحد أهم روافد الأمل في هذا الملف، باحتياطياته الضخمة وبرامج الاستكشاف المتواصلة، حيث تعمل شركات عالمية كبرى بالتوازي على الإنتاج والاستكشاف، في مشهد يعكس ثقة استثمارية واستمرارية في ضخ رؤوس الأموال والخبرات.

الخلاصة أن ما تحقق خلال الفترة الماضية يعكس جهدًا حقيقيًا وتنسيقًا عاليًا بين جميع فرق العمل، سواء في الحد من التناقص الطبيعي للإنتاج، أو في بناء بنية تحتية قادرة على تأمين إمدادات الطاقة لكل القطاعات.

استقرار الكهرباء دون انقطاع، واستمرار المصانع في العمل، وتوافر الغاز للمنازل، كلها شواهد عملية على أن المنظومة تعمل، وأن الحديث عن أزمة لا يجد سندًا واقعيًا حتى هذه اللحظة.

سيد الأبنودى

سيد الأبنودي، صحفي متخصص في مجال البترول والطاقة والتعدين، يتمتع بخبرة تمتد لمدة 19 عامًا في صناعة البترول، لديه خبرة غنية في مجال العلاقات العامة والإعلام، حيث قدم إسهامات قيمة وتقارير دقيقة تعكس تفاصيل الصناعة وتحدياتها _Sayed El-Abnody, a specialized journalist in the fields of petroleum, energy, and mining, boasts a 19-year experience in the petroleum industry. He holds rich expertise in public relations and media, delivering valuable contributions and accurate reports that reflect the intricacies and challenges of the industry.
زر الذهاب إلى الأعلى