هالة الدسوقي تكتب: سر التوحد

حتى الآن لم يصل العلم لتحديد سبب واضح وراء مرض “التوحد”، أو كما يطلق عليه البعض “اضطراب سلوكي” وليس مرضاً. البعض يرى أنه عامل جيني وآخرون يرجعونه إلى التلوث وغيرهم يتهمون الأدوية والتطعيمات ….
ولكن من لديه طفل يعاني من التوحد يعلم جيداً أنه كان طفلاً طبيعياً حتى عمر السنتين أو السنتين ونصف، ثم يتبدل حاله إلى شخص آخر، فغالبية المتوحدين لا يولدون بتلك الحالة.
وأجزم بأن ما يتعرض له هؤلاء الأطفال المساكين من ضغوط نفسية ومواقف حياتية ـ يصعب على الشخص البالغ تحملها ـ هي التي تسلمهم إلى تلك الحالة.
وعلى النقيض، يرى كثير من الأطباء أن العامل النفسي بريء من هذا الاضطراب السلوكي، ولكن المثل الدارج لدينا نحن المصريين يقول: “اسأل مجرب ولا تسألش طبيب”.
ولعل هذا المثل صادق لأبعد الحدود، فالطبيب درس، ولكن المريض أحس وشعر، ومن يعيش معه عاين ورصد، ولذا فهو ومن حوله يستطيعون على الأغلب معرفة أسباب المرض.
أما عن وجهة نظري بأن “مرض العصر” الذي يلاحق أبناءنا قد يكون على رأس أسبابه الحالة النفسية، فلدي العديد من القصص الواقعية التي تؤكد ذلك.
فتلك المرأة تحكي لي قصة ولدها الذي في الغالب يرى والده وهو يكيل لها اللكمات ويسمعها بذيء الكلمات، والطفل يشاهد ويسمع وليس بيده حيلة، بل إن الخوف يملأ قلبه والرعب يسيطر على عقله من هذه السلوكيات البغيضة، فيعترض عقله الصغير ويطير به إلى عالم آخر ليس به ضربات ولا تأوهات.
وكأن هذا الطفل قد أراح عقله وذهب به إلى مكان آخر لا ندري نحن عنه شيئاً، مكان جميل ليس به صياح ولا صراخ، مكان ينعم بالوحدة يكتفي فيه بنفسه ويعيش منفرداً لا يريد هذا الأب الفظ غليظ القلب، يبتعد عن الظلم ويعترض عليه بطريقته الخاصة.
وتلك سيدة أخرى تسير بسرعة كبيرة وهي تمسك ولدها الذي يعاني من التوحد بيد وأخاه باليد الأخرى، تخرج من الميكروباص مسرعة لتستطيع اللحاق بموعد جلسة التخاطب، وتحجز موعداً لدى طبيب المخ والأعصاب التابع للتأمين الصحي، وفي خطوات مسرعة تدخل المستشفى، وتُدخل صغيرها إلى الجلسة مصطحباً كراسة الملاحظات.. وتجلس بالخارج تنتظر نصف ساعة لحين خروجه.
تقول: ابني لم يكن يشتكي شيئاً، لا مشاكل لديه، حتى شاهد أباه وهو يضربني أكثر من مرة، بعدها بدأ في التهتهة ثم تطورت حالته ليصل إلى التوحد.
وتكمل حكايتها: “الوالد” عنيف بل إنه ما زال على حاله يضرب ويعنف ويصرخ رغم ما يعانيه ابنه، وما يزيد المأساة أنه لا يريد الإنفاق على حالة ولده ولا يريد علاجه، ولذا لجأت إلى التأمين الصحي.
وتلك سيدة أخرى تأتي من مكان ريفي بعيد للقصر العيني ليحصل ولدها على جلسات التخاطب، ومن ملابسها يتضح حالها وكذلك ولدها الذي يعاني من التوحد يرتدي “طقم بيتي” وحذاءً وكذلك طفلتها التي تصحبتها.
تحدثت إليّ بصوت مبحوح لا يكاد يُسمع: ابني كان لا يعاني شيئاً ولكن أباه هو سبب حالته تلك.
تحكي: أصابني زوجي ثلاث مرات إصابات خطيرة، في إحدى المرات كسر كأساً وضربني به في رجلي فشقت ركبتي ليتم خياطتها بـ 14 غرزة.
مرة أخرى ضربني بالسكين في كتفي، وثالثة قام بشق رأسي بقطعة زجاج لأحصل على عدد من الغرز في المستشفى الحكومي لأنه لم يرد أن يذهب بي إلى عيادة خاصة.
وفي المستشفى الحكومي لم يمر الموضوع مرور الكرام، فهناك “سين وجيم” وأمين شرطة يصر على عمل محضر تعدٍّ، وهنا تحول الحيوان المفترس إلى أرنب جبان يرجوني إنقاذه، متخذاً على نفسه الوعود بأن ينصلح حاله، ومن أجل الأولاد أنقذته من السجن بكذبة.
ولكنه لم يكد يخرج من بوابة المستشفى حتى “عادت ريما لعادتها القديمة”، فلم يأتِ لي ولا حتى بعلبة عصير واحدة، بعد أن شكوت له جفاف حلقي لما فقدته من دم، فأوصلني للبيت ليحضر لي بخمسة جنيهات فولاً مدمساً!!
فليس عيبه الوحيد العنف بل البخل أيضاً، فلديه من المال الكثير ما يكفيه ويكفي أولاده ولكنه لا يريد الإنفاق، وعندما أطلب منه ثمن احتياجات البيت يرد بالرد البارد: “معيش فلوس”، وإن عطف وأعطاني فلا يكاد يتخطى المبلغ الـ 20 جنيهًا أو الـ 25 جنيهًا.
لم تنتهِ مأساتي عند هذا الحد، بل إن حماتي تطعمني وأولادي ولكنها تحرمني من اللحم والدجاج، فليس لي نصيب فيه، يمكنني تناول الأرز أو الخبز مع الطبيخ ولكن اللحوم لا.
كيف لا تتناولين اللحم؟!!
من ضيق الحال بدأت أجمع زجاجات المياه أو “الكانز” من الشوارع وأقوم ببيعها مع بعض المال الذي تشفق به إحدى الجارات عليّ أو أحد ممن يرق لحالي، وأقوم بتجميع هذه الجنيهات لأشتري لي ربع كيلو لحمة أو ربع دجاجة وأطهوها عند والدتي لأتناولها.
كيف ترضين بتلك الحال ولماذا لا تطلبين الطلاق؟
أهلي قالوا لي: لو طُلِّقْتِ: “لن تأتي بأولادك، سوف تتركين أولادك لوالدهم وتعودين لمنزل أبيك بمفردك”.. كيف أترك أولادي؟!
ولذا أتحمل مهما حدث لي.
وابني هذا كان “زي الفل” وتراجع ووصل للتوحد بعد مشاهدة مرات الضرب ومحاولات القتل الفظيعة.. فهو مسلسل لا ينقطع.
تلك حالات من بيئة عنيفة ولدت لآباء لا يستحقون أن يكونوا آباء، بل إنهم لم يرتقوا إلى درجة الحيوانات التي تعطف على أولادها، هؤلاء لا يستحقون أن يكونوا آباء، لا يستحقون أن يكونوا أزواجاً، لا يستحقون أن يكونوا بشراً.
ومن تلك القصص هناك الكثير، يمكن للمختصين دراستها للوقوف على السبب الحقيقي وراء تلك الظاهرة التي تتزايد يوماً بعد يوم، فالبيئة القاسية تُنتج أطفالاً بلا حيلة، أطفالاً يهربون من واقعهم.. يذهبون إلى عالم نقي يملكونه وحدهم.. لا يعكر صفوهم فيه قساة القلوب.
ولو أن الأمر بيدي لوضعت كل أب لا يملك القلب ليحتوي أبناءه وزوجته في السجن ليمضي بقية حياته، التي لا تستحق، بداخله، فهو بلا فائدة.. بل إن وجوده يسمم حياة زوجته وأبنائه ويورثهم من الأمراض النفسية والبدنية ما لا تعالجه مستشفيات.
الأمر يحتاج لوقفة ويحتاج لمراجعة ويحتاج لحزم، ليس كل من تزوج يستحق أن يعيش حياة أسرية .. ليس كل من تزوج يستطيع أن يكون مسؤولاً عن أطفال وبيت، ليس كل من تزوج في تلك الأيام يريد أن يبني، بعض الزيجات تكون نوعاً من أنواع التعذيب، شخصيات مريضة وتُمرض من حولها.






