عماد حمدي منسي يكتب: منجم السكري..يد تنقب وأخرى تصنع مستقبل مصر

في قلب الصحراء المصرية، حيث تمتد الرمال في صمت مهيب وتعانق الصخور ضوء الشمس، يولد الأمل من رحم الأرض، هناك، لا يخرج الذهب فقط من باطن الجبال، بل يخرج معه حلم قديم يتجدد، وحكاية مصرية ضاربة في عمق التاريخ، عنوانها العمل والإصرار وصناعة المستقبل.

منجم السكري شاهد حي على مسيرة ممتدة عبر آلاف السنين. فالشواهد الأثرية، وعلى رأسها بردية تورين، تؤكد أن هذا الموقع كان معروفًا ومستغلًا منذ العصور الفرعونية، ثم الرومانية، قبل أن تتوقف أنشطته لقرون طويلة، وفي العصر الحديث، حاول الإنجليز إعادة تشغيله، إلا أن غياب الجدوى الاقتصادية آنذاك أدى إلى توقف الإنتاج عام 1958.

التحول الحقيقي جاء عام 1994، مع إعادة اكتشاف المنجم وتطويره وفق أسس علمية حديثة، ليبدأ فصل جديد من “الحدوتة الذهبية” لمصر.

وفي عام 2009 انطلقت العمليات التجارية رسميًا من خلال شركة السكري لمناجم الذهب، كشراكة بين الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية وشركة سنتامين الأسترالية، التي انتقلت ملكيتها مؤخرًا إلى شركة أنغلو جولد أشانتي، إحدى كبرى شركات التعدين العالمية.

اليوم، يحتل منجم السكري موقعه بين أكبر عشرة مناجم ذهب في العالم من حيث الاحتياطي والإنتاج، مسهمًا بدور محوري في دعم الاقتصاد الوطني.

وتشير البيانات الحديثة إلى ارتفاع إنتاج الذهب بنسبة 9% خلال النصف الأول من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، وهو ما يعكس استقرار العمليات وكفاءة الإدارة، ويعزز من تدفق العائدات المالية.

وفي إطار خطط التوسع والتطوير، ضخت الشركة المشغلة استثمارات رأسمالية تُقدّر بنحو 184 مليون دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، استهدفت رفع كفاءة الاستخراج، وتطوير البنية التشغيلية، وإطالة العمر الإنتاجي للمنجم.

هذه الاستثمارات تعكس ثقة متزايدة في جاذبية قطاع التعدين المصري وقدرته على استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.

وتأتي هذه النجاحات في ظل إصلاحات هيكلية شاملة يشهدها قطاع التعدين في مصر، شملت تحديث التشريعات بما يتوافق مع المعايير العالمية، وتطبيق نظام مالي أكثر تنافسية، إلى جانب تبسيط إجراءات التراخيص وتعزيز الشفافية، فضلًا عن التحول الرقمي وإنشاء قاعدة بيانات جيولوجية متكاملة، وهي خطوات تتماشى مع استراتيجية وزارة البترول والثروة المعدنية ورؤية مصر 2030 لتعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية.

منجم السكري، أو “مدينة الذهب والنور”، بات نموذجًا حيًا لمدينة صناعية تنبض بالحياة وسط الطبيعة الخلابة للصحراء المصرية، كاشفًا عن بعض أسرارها، فيما لا يزال الكثير ينتظر الاكتشاف، هناك، حيث لا ينام بريق الذهب، يعمل رجال الثروة المعدنية بقلوب مملوءة بالفخر، فكل دقة عمل هي خطوة جديدة نحو النجاح، وكل جرام ذهب هو رسالة أمل لمستقبل أكثر إشراقًا.

ومؤخرًا، اكتسب الموقع بعدًا حضاريًا جديدًا مع انتهاء وزارة السياحة والآثار من مشروع إحياء مدينة الذهب القديمة المحيطة بالمنجم، حيث تم الكشف عن معسكرات تعدين يعود تاريخها إلى أكثر من 3000 عام، في تأكيد جديد على عمق القيمة التاريخية والحضارية لهذا الموقع الفريد.

هكذا يظل منجم السكري شاهدًا على أن يدًا تنقب في الأرض، وأخرى تبني اقتصادًا، وثالثة ترسم ملامح مستقبل مصر بثقة وإصرار.

زر الذهاب إلى الأعلى