هالة الدسوقي تكتب “المتعلم الجاهل”..نتاج “تجارب الوزراء” في مدارس “لم يحضر أحد”

العملية التعليمية في مصر تواجه خطرًا كبيرًا وملامح القادم غامضة .. لا نعلم مع الذي سوف يقابله أبناؤنا في ظل تلك التطورات.. بل “التراجعات” التي يعانيها أولادنا مع النظام التعليمي المتقلب والمتبدل يومًا بعد يوم.

بداية: فكرة تعديل المناهج تحدث تبعًا لتغيير الوزير .. وهي فكرة حقًا مدمرة للأجيال الصاعدة .. والمفترض أن الدولة لديها خطة تعليمية ذات جذور راسخة لا يتم فيها تبديل المناهج ولا تغيير النظام إلا طبقًا لتلك الخطة .. وليست تجارب يتم تطبيقها على الطلاب الذين يقومون بدور “فئران التجارب” وننتظر “يا صابت يا خابت”.

والأمثلة على ذلك واضحة للغاية خاصة بالنسبة للصف السادس الابتدائي والثانوية العامة، فالصف السادس الإبتدائي مرة يلغوه .. ومرة أخرى يطبقوه .. والآباء والطلاب بين “الوضع والإلغاء” لا يملكون الموافقة ولا الاعتراض !!

أما المثال الأوضح فيتمثل في نظام الثانوية العامة، التي تخضع دائمًا وأبدًا “للتغيير والتبديل والتعديل”، وفي النهاية هي هي .. سنة أو سنتين تحبس فيها الأسرة المصرية أنفاسها وتتجرع ويلات المغامرة بالالتحاق بالثانوية العامة ولا تتنفس الصعداء إلا مع انتهاء “مغامرة الثانوية الغامضة والغامقة”.

والثانوية العامة مرة ثانوية عامة .. ومرة بكالوريا .. ومرة بالتابلت .. ومرة دون التابلت .. وفي المنتصف بين “ب” أو “بدون” تتأرجح الأسر المصرية ومعها أبناؤها لحين الانتهاء من تلك العذابات .. بالنتيجة النهائية التي قد تكون مرضية وقد تكون مفاجأة لم يكونوا يتوقعونها.

أما الأمر الثاني .. وهو الذي يمثل من وجهة نظري خطورة بالغة على الأجيال القادمة وهي انقطاع الصلة بين الطالب والمدرسة وهو ما قد ذكرته في مقال سابق، فبداية من الصف الثالث الإعدادي ينقطع الطالب بشكل نهائي عن المدرسة ولا يحضر ..

وإذا أصر أبواه على ذهابه للمدرسة .. يذهب ليظل وحده يغني “ظلموه” .. وتلك التجربة .. وهي الوقوع في “صحراء جرداء” لا مدرس فيها ولا طلاب .. تجعله يقنع الوالدين بأن ذهابه للمدرسة ما هو إلا مضيعة للوقت في ظل رفع شعار مدارس “لم يحضر أحد”.

وفي حالة تواجد الطالب في المدرسة وحتى وإن شاهد المدرسين فهم بدورهم لن يشرحوا لطالب أو طالبين بالكثير .. ولكنهم سوف يتركوهم للحكي مع بعضهم البعض أو لمشاهدة التليفونات المحمولة وهكذا.

ولذا ففكرة ذهاب طالب الثالث الإعدادي للمدرسة غير واردة بالنسبة لهم،. أما البديع في الموضوع أن المدارس قد جعلت عدم تواجد طلاب الصف الثالث الإعدادي “نظامًا متفق عليه”، فلا يخصصون فصولًا لطلاب تلك السنة المصيرية الهامة، والتي من خلالها يتم تحديد مصير الطالب إلى أي نوعية تعليم يتجه إلى الثانوي العام أو الفني أو العسكري أو أو أو ……

ومع بداية المرحلة الثانوية تتضح تلك “العلاقة المنعدمة” بين الطالب ومدرسته، وهذا واقع أشاهده بعيني بين الطلاب البنين والبنات، وكما قلت سابقًا فالمدارس الثانوية أيضًا ألغت تواجد فصول الصف الثالث الثانوي، ولم أكن أصدق في البداية ولكنه للأسف واقع مرير بإقرار طلاب تلك السنة.

وللأسف أصبحت العلاقة بين الطالب والمدرسة مجرد “قيد على الورق” دونما حضور، وتلك “اللعلاقة المفقودة” لا تقتصر على فقد للتعلم الأكاديمي بل أنها سبيل لضباع الأخلاق والمبادئ التي تعلمناها من مدرسينا، فكانت العملية التعليمية وقتنا تربية قبل التعليم.

وكنا قلما نغيب عن المدرسة، وكانت الدروس الخصوصية “سبة على جبين من يأخذها”، لأنه ضعيف دراسيًا .. أما الآن فالوضع يثير الدهشة، فموضة “الدروس الخصوصية” التي تجعل جيوب الآباء والأمهات “أنظف من الصيني بعد غسيله” هي السائدة بشكل مستفز فهي لا غنى عنها .. وتلقى قبولًا من الطلاب .. ومن الأسر .. وبالطبع من المدرسين، فيتلقاها الطالب في كافة المواد بمبالغ ضخمة، أملًا في النجاح والإلمام بالمنهج الذي بالطبع لا يعلم عنه شيئًا لغياب كافة أطراف العملية التعليمية من مدرسة ومعلم وفصول وحضور.

المادية التي طوقت رقابنا حاليًا تنتشر مثل النار في الهشيم في كافة مناحي حياتنا وعلى رأسها “التعليم” فكل الآباء يريدون لأبنائهم “النجاح” و”الفلاح” وهو ما يتطلب الكثير من الدروس والمزيد من النقود .. “والغاوي ينقط بطاقيته” .. وفي النهاية قد نحصل على طالب تخطى كافة الامتحانات .. ولكنه متعلم جاهل تعليميًا وأخلاقيًا.

hala El Desouki

"هالة الدسوقي .. صحفية ورسامة الكاريكاتير.. خريجه كلية الإعلام جامعة القاهره.. وخبره ٢٠ عاما في العمل الصحفي.. عملت في أكثر من موقع منها موقع محيط وعشرينات وجريدة المصريون
زر الذهاب إلى الأعلى