هالة الدسوقي تكتب: ذاك الغريب!

لم ولن أصادف أعجب من ذاك الغريب!
زائرٌ يباغت كل البيوت، ويدخل دون استئذان ويفرض نفسه، ولا أحد يمنعه ولا يجابهه، زيارته حتمية ومجيئه لا شك فيه.
“الموت” .. ذلك الغريب الذي لا يفلت أحداً منا، وكأسٌ سوف نتجرعه جميعاً، ولكن متى وكيف؟ لا نعلم.. كل ما نعلمه أنه آتٍ .. لا محالة.
يرحل الشخص منا ويترك كل ما يملك، يترك عالمه؛ عمله، أملاكه، هاتفَه، ملابسه، نقوده، بيته، زوجه، أولاده، أهله وأصدقاءه.. يغادر طريقه، ويودع صعابه، وتتبخر ضحكاته، وتغلق عيونه عن عالمٍ فرح به بعض الوقت وعانى فيه أغلب الأوقات.
كم هو غريب هذا الموت! نترك دنيانا بلا شيء مادي، فقط نحن وما نحمل من أعمالنا، لندخل عالماً نهابه ونخافه ولا ندري عنه شيئاً.. غموضه يجعل قلوبنا ترتجف لحضوره، وعقولنا تكاد تطيش عندما يغادرنا أحد..
ألا نعلم أننا حتماً سنرحل؟ بلى نعلم، لكننا نتفاجأ ونصدم وتتساقط دموعنا، ونردد كلمات تحوي كل الذكريات وما كنا نظن أنه آتٍ، ولكن كل شيء توقف ورحل من رحل.. ونندم أننا لم نكن لمن مات من أحبائنا مثاليين، لم نقترب منهم كما ينبغي، ولم نرتوِ من وجودهم لنعوض غيابهم عندما يغادروننا.
رغم أننا نعلم إلا أننا نتناسى، تلهينا الدنيا؛ تجري ونجري وراءها، لا تتوقف ولا نتوقف إلى أن يقول الموت كلمته، فيتوقف السباق لمن رحل، ويدخل عالماً آخر وحده بمفرده، مجرداً من كل شيء، محمولاً على الأعناق، لا يملك من أمره شيئاً.. هناك لا أحد ولا شيء، فقط يرجو رحمة ربنا.. رحمة ربنا فقط.
موقف عظيم.. موقف مرعب.. نتمنى عندما نصله ألا نخاف ولا نحزن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30].
نتمنى أن نضحك وقتما يبكون عندما نغادر تلك الدنيا، كما كنا نبكي عند مجيئنا إليها وهم يضحكون.
اللهم لا تحرمنا من سماع هذا النداء وبشرنا بتلك البشرى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27-30].
اللهم آمين يا رب العالمين





