هالة الدسوقي تكتب : أعشقُ رائحة الدخان !!

لا لا، ليست رائحة دخان السجائر.. فأنا لا أطيق مجرد مصادفتها.

ولكن هذا الدخان كان ذا مذاق خاص.. دخان ومذاق؟

ما تلك اللوغاريتمات؟

“إنجليزي ده يا مرسي”؟

“ولا إنجليزي ولا حاجة”

.. إليكم الترجمة:

كان هذا الدخان الذي أعشق رائحته يتصاعد من الأفران البلدية في قريتي الصغيرة قبيل المغرب إيذانًا بموعد العشاء، ولذا طابت رائحته ولذّ مذاقه. ومعنى تصاعده في كافة بيوت القرية -أو ما يطلق عليه دور جمع دار- كان هذا الدخان يعني لنا الكثير: الشبع والدفء واللمة والسعادة.

نعم كانت تلك الأيام بلا كهرباء ولا حتى مياه، ولكنها كانت تشع سعادة وتمتلئ بالدفء وتتغلف بالود والتقارب بين أفراد الأسرة، بل أفراد القرية. يتناول الجميع العشاء في وقت واحد بعد المغرب، ثم يبدأ السهر والونس؛ كلٌ يختار إلى أي دار يذهب ليتسامر مع أهله ويتجاذبون الحديث وتعلى الضحكات ويشع العالم بنور السرور.

في تلك الليالي التي لا تغادر خيالي كان الظلام هو السمة الأساسية، ولكن نور السماء كان ظاهرًا، وضوء القمر والنجوم في غاية الوضوح. وتلك السماء كنت لا أشبع من التأمل فيها، وكما وصف الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾.

نعم، هذا إبداع الخالق الذي مهما أطلت النظر إليه ازددت متعة، ومهما دققت فيه لم ترَ ذرة عيب. هذا الجمال يتوارى إذا ظهرت الإضاءة المصنوعة وتختفي تفاصيل السماء كما في المدن، ولكن في قريتي الصغيرة كنت أستمتع بعدم وجود الكهرباء.

وما يميز القرى هو دقة المواعيد ووحدتها، فالكل يتناول الإفطار مبكرًا، والغداء بعد صلاة الظهر، والعشاء بعد صلاة العشاء. وكأن الوحدة غلفت التفاصيل المتعلقة بقرى زمان من الألف إلى الياء؛ تلك الوحدة التي جعلت الكل في واحد، والترابط شديد، والوعي كامل، والسعادة محسوسة. لم يكن البشر في جزر منفصلة، لأن التسلية كانت بترابط الجميع؛ لا تلفزيون يفصل ولا موبايل يخرب، ولذا كان للحياة معنى.

hala El Desouki

"هالة الدسوقي .. صحفية ورسامة الكاريكاتير.. خريجه كلية الإعلام جامعة القاهره.. وخبره ٢٠ عاما في العمل الصحفي.. عملت في أكثر من موقع منها موقع محيط وعشرينات وجريدة المصريون
زر الذهاب إلى الأعلى