هالة الدسوقي تكتب: مشكلة الشرابات الدولية !

صباح داخلي.. في منزل متواضع .. يجري حوار بين زوج وزوجته
الزوج: فين شراباتي يا هانم؟
الزوجة: عندك في الدرج.
الزوج: مفيش شراب على بعضه كلها فِرد!
الزوجة: مش عارفة.. إسأل الأولاد.
مشهد آخر ..
نهار خارجي على المحطة أم بصحبة ابنتيها أثناء توجههن للمدرسة
الأم : محدش شاف شرابات بابا الجديدة … فضلت أدور عليها أنا وهو ومش لاقينها يا إما نلاقي فرد بس أو منلاقيش الشرابات نهائي !!
البنت الأولى: أنا لبست واحد يا ماما.
البنت الثانية: وأنا لبست التاني.
الأم : طب وشرباتكم ؟!
البنات في صوت واحد : كلها فِرد يا ماما !!
تتكرر تلك المشاهد في منازلنا بشكل يومي تقريبا ..
فمن منا لم يصادف هذا الموقف مع أفراد أسرته أوحتى مع نفسه، فعند الخروج ينتهي الشخص من ارتداء ملابسه في دقائق ويظل يَدور في المنزل بالساعات بحثاً عن فردة شراب!!
وتقريبا كل الأسر الآن تعاني تلك المشكلة ولعلها لم تجد لها حلاً !
حكى لي أحدهم عن مشكلة الشرابات “الجوارب” بعمق وحسرة شديدين، فأكثر ما يشتريه في منزله الشرابات أملاً في الحصول على شراب من فردتين، ولكن بالرغم من ذلك تبدو المهمة المستحيلة هي في الحصول على شراب مكتمل الأركان؛ والسبب أن ابنه يستعير شرابته.
بالإضافة إلى سبب آخر، ألا وهو أنه عند نشر الغسيل .. يكون ترتيب الشرابات – في النشر -الأخير، وهو الوقت الذي تنتهي فيه المشابك وتضطر زوجته لوضعها على سور البلكونة فيطير منها ما يطير .. ويبقى ما يبقى “إن بقى”..
وما بين طيران الشرابات من البلكونة واستعارة ابنه للشرابات، يفتقر المسكين لرفاهية ارتداء شراب من فردتين إلا بطلوع الروح!!
وقتها اقترحت عليه شراء مشابك زيادة لتُحل مشكلة الشرابات .. فالأمر لا يحتاج لذكاء.
ولعل حل هذه مشكلة الشرابات العويصة قامت به إحدى “الفتيات اللطيفات”، حيث لا تبالي بتشابه فردتي الشراب، بل إنها ترتدي ما تجده أمامها، لا يهم اتفاق اللون ولا وحدة الطول ولا سمك الشراب، أهم شيء أنها ارتدت شراباً.
وقد اضطررت قريباً لاتباع تلك الاستراتيجية الحديثة، فقد اضطررت لارتداء فردتي شراب، ولكن، ولله الحمد، كانتا متفقتين في اللون والطول وكافة المواصفات، والاختلاف الوحيد أن فردة لديها خط زائد بلون مختلف عن الفردة الأخرى، ولكن مجبر أخاك لا بطل.. ومر اليوم.
لعل أحد القراء يسخر ويقول: ما تلك المشكلة التي تتحدثين عنها؟ وهل وصلت بكِ التفاهة في ظل كل تلك الأزمات التي يعيشها العالم لنتركها ونمسك في الشرابات؟!
وبيت القصيد هنا، كما قالت لي أمي – رحمها الله رحمة واسعة وجعل مثواها الجنة- أن مشكلة الشرابات تنبع من فكرة “الوفرة”، نعم .. وقتما كان كل شخص يملك شراباً واحداً كان حريصاً عليه، فبعد عودته من الخارج يقوم بغسله وتنشيفه ليرتديه اليوم التالي.
وفكرة الوفرة.. مشكلة نعاني منها تلك الأيام.. فعندما تزيد الأشياء بشكل كبير يفقد الشخص الحرص على وجودها، بل إنه يستهتر بها ويقذف بها في كل جانب، لأن لديه دائماً البديل.
ويقوم بهذا تصرف من لا يملك الحكمة، فيتعامل مع كافة نواحي حياته باستهتار يفقده لذة التمتع بحياته على شكل صحيح.
ولعل الأجيال القديمة عندما تتحدث عن تلك القضايا تصيب قلب الحقيقة .. فقد كان يعني لنا ارتداء “الجديد” مشاعر كثيرة مختلطة يجمعها الفرح، عكس تلك الأجيال التي أفقدتها الوفرة مفهوم الفرحة بما هو آتٍ، وترى أن تواجد كل شيء حولها لا يُعد شيئاً مميزاً بل إنه هو “العادي”، ولذا توارت فكرة الفرحة من حياتهم.






