مقالات

برشامة وسبورة !!

برشامة وسبورة !!

هالة الدسوقي

[email protected]

كل عام وانتم بخير .. معظم البيوت المصرية تعلن الآن حالة الطوارئ .. فغالبية أولادنا يؤدون امتحانات نصف العام.

واذا ذُكرت الامتحانات..ذُكر الاجتهاد والكد والسهر والمذاكرة من أجل نيل النجاح، بينما هناك فريق ينحي الاجتهاد جانبا ويُجهد فكره في التفنن من أجل الغش.

وأذكر قديما شابا كان يقضي باليومين أو الثلاثه في أحد مكاتب الكمبيوتر من أجل عمل برشام لغالبية محتويات المنهج بـ”التصغير” أي “تصغير صفحات الكتاب من أجل الاستعانة بها وقت الامتحانات” .. والغريب أن عدد الورق كان جد كبير وعديد وكنت أتعجب .. كيف سيستعين بهذه الاوراق؟ ..وكيف سيرتبها ؟.. وكيف سيخرجها في اللجنة ؟! حقاً إنه أمر عويص.

وكنت كثيراً ما أردد للعاملين في المكتب أن هذا الوقت الضائع كان من باب أولى أن ينفقه في المذاكرة ..وكان سينال النجاح دون معاناة أو حيل محفوفة بالمخاطر ..قد تنجح ..وقد تسبب له الكثير من المشاكل وبالتالي الفشل ..

وأتذكر فتى آخر .. في ليلة امتحانه كان يجتهد كل الاجتهاد .. ولكن .. أمام التليفزيون ..فكان كما النحلة تتنقل من زهرة لأخرى .. كان كالدبور ينتقل من قناه لأخرى .. ومن مسلسل لآخر .. ومن كارتون لغيره .. وهكذا.. فقلت له: أخاف على صحتك من اجتهادك الزائد ؟ استريح قليلا ! فردت علي أخته: لا يحمل الهم فالاجابات تكتب له على السبوره .. وقد كان تصريح خطير .. لم اتصوره!!

فقد كنت من “أعداء الغش” منذ صغري .. وأرى أني وإن قصرت في المذاكرة فأنا استحق أن تقل درجاتي ..وأن يكون هناك من هو أعلى لأنه اجتهد اكثر مني … وعلى الجانب الآخر، أرى أنه من الغباء أن أعطي مجهودي لأحد غيري لم يجتهد فيحصد نفس درجاتي أو يتفوق علي ..فكان هذا مبدئي دائما وابدا.

ولا أعلم كيف يتناسى من يسعى للنجاح بالغش، حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :”من غشنا فليس منا”، كيف يمكن أن يضحوا بدينهم من أجل النجاح في إمتحان، وهم أمامهم سنة كاملة للاستعداد له بدلا من السعي للغش.

وكان .. ومازال بعض الطلبه يتفننون في صنع البرشام أو سرقة معلومه من زميلهم هذا، أو زميلتهم تلك … وقد يكون من النوع “الحويط” الأناني، الذي حل معظم الامتحان بإتقان ولا ينقصه سوى معلومة من أجل نيل التفوق فيأخذها من زميله .. بينما يندم أشد الندم من يعطيه مجهوده بسهولة، ويرى تفوقه عليه وقت النتيجة.. هذا واقع موجود .. لا ننكره ولكننا نستنكره.

أما ما نرفضه رفضا قاطعا فهو ما قد يفعله بعض المدرسين -المفترض أنهم هم القدوة – لكن البعض يخطط لحصول طالبهم على النجاح بأي وسيلة – خاصة من يحضرون لهم دورسا خصوصية – حتى وان كان بالغش، فهناك من يعطي تلاميذه الامتحان قبل دخوله إن كان هو من وضعه أو على علم به.. والبعض لا يتوانى في عن البحث عن تلاميذه، وإن كانوا داخل اللجنة للاطمئنان عليهم أو تقديم الإجابه لهم على بعض الأسئلة التي تقف أمامهم ..وكأن واجبه أن ينجح طالبه في مقابل المال الذي يعطيه إياه كل شهر بأي طريقة، وهم لا يدركون خطورة ما يقومون به ولا يتصورون كيف يكون مستقبل طالب ناجح بالغش؟

وماذا ننتظر من طبيب ناجح بالغش يقتل مرضاه .. أو مهندس يقتل ضحاياه ممن يسكنون مبان قام بتخطيطها .. أو مُدرس لا يستطيع شرح ما يدرسه لطلابه؟ ونظل نعاني من منظومة فاسده غرست بذورها بالغش وسيقت بالكذب والخداع، وبالتالي نظل ندور في دائره مغلقة، لأننا ننظر تحت أرجلنا من أجل النجاح في الامتحان، دون البحث عن رقي مجتمع أو تقدم شعب أو بناء أمة من خلال أجيال صادقة أمينة تجافي الغش وتعادي الكذب والخداع.

إذا يحتاج الموضوع للمراجعة من كافه الجهات، فلابد أن يربي الآباء الضمير داخل أبناءهم، وأن يربوا داخلهم أن يؤدوا واجبهم على أكمل وجه.. وأن مذاكراتهم هي وظيفهم، التي لابد أن يقوموا بها بإتقان ويتموها بتفاني، وان يتقبل نتيجة عمله سواء بالاجتهاد أو التقصير، فإن أهمل فعليه أن يتقبل النتيجة بصدر رحب وأن يعدل من حاله ..

وعلى المدرس أن يضع في اعتباره ؟أن ما يتقاضاه من مال في الدرس الخصوصي يكون مقابل شرحه لهذا التلميذ وليس مقابل عمله على نجاحه بأي وسيلة حتى وإن كان بالغش .. وعلى الطالب الا ينتظر نجاح دون مجهود … وتكون تلك بداية إصلاح مجتمع يجافي الكذب والغش في طريقه للنجاح والازدهار .

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق