رجال ولكن (2)

Advertisements

هالة الدسوقي 

hala2662007@gmail.com

”  وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ” …تأملت التدبير الإلهي والرحمة الربانية في تلك الآية .. وتعجبت موقف سيدنا أيوب من زوجته، وحسب الرواية أنه :”قد أرسل امرأته في حاجة له فأبطأت عليه، فأقسم أنه إذا برىء من مرضه ليضربنها مائة ضربة” ولعل قلقه عليها وخوفه هو ما دفعه للحلف بضربها أكثر من مجرد عقاب … وهي الوحيدة التي لم تتخل عنه في محنته ولم تتركه في مرضه…

 

ولنتأمل  سويا كيف تعامل القرآن مع قضية ضرب تلك الزوجة؟  وكيف كان المخرج من هذا القسم؟ فأوحى  الرحمن الرحيم إلى سيدنا أيوب،عليه السلام، بقوله :”  وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ”، وبعد شفائه رخص له ربه أن يأخذ حزمة صغيرة – وهي المعبر عنها بالضغث- وبها مائة عود، ثم يضرب بها مرة واحدة، وبذلك يكون قد جمع بين الوفاء بيمينه، وبين الرحمة بزوجته التي كانت تحسن خدمته خلال مرضه، وتقوم بواجبها نحوه خير قيام.

Advertisements

فكان هذا هو التعامل الإلهي مع قضية ضرب زوجة نبي الله أيوب، وهي المرأة الصالحة التي لا تستحق الضرب، حيث كانت صابرة ومخلصة حتى أخر لحظة لزوجها، الذي نفر منه الناس كافة وابتعدوا عنه وظلت هي بجانبه.

ولو نظرنا إلى جانب آخر، لحالات ضرب الزوجات وهي حالة “النشور”، بمعنى عصيان الزوجة لزوجها، لم يأمر القرآن بضرب تلك المرأة مباشرة، بل جعل التعامل معها بالتدريج فبدأها بالنصح ثم الهجر وأخيرا الضرب غير الموجع..

هذا في حالة “نشوز الزوجة” فلم يأتي القرآن بالضرب كحل أبدا، إلا بعد استنفاذ كافة طرق الإصلاح ” وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ “، إذا فالضرب جاء بعد الموعظة والهجر.

ولنعلم جميعا أي نوعية ضرب تلك التي وردت في الآية فقد رُوي عن جابر بن عبدالله أن رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- قال: (…اتَّقوا اللَّهَ في النِّساءِ ، فإنَّكم أخذتُموهنَّ بأمانةِ اللَّهِ ، واستحلَلتُمْ فروجَهُنَّ بِكَلمةِ اللَّهِ ، وإنَّ لَكُم علَيهنَّ أن لا يوطِئنَ فُرشَكُم، أحدًا تَكْرهونَهُ، فإن فعلنَ فاضربوهنَّ ضربًا غيرَ مُبرِّحٍ..)  وعن ابن جرير عن عطاء قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما: “ما الضرب غير المُبَرِّح؟ قال: بالسواك ونحوه”.

بالسواك ونحوه !! هذه نوعية الضرب المقصودة في الآية، فماذا يا قوم ؟! عن بعض أزواج تلك الأيام، التي تنجو زوجته من الموت بأعجوبة من بين يديه بعد كل “طريحة” تتلقاها منه، غير مبال ولا خائف من عقاب الخالق، جل وعلا، أو عقاب دنيوي يردعه عن شطحاته الحيوانية وهجماته الشيطانية.

وقد يكون بعض  ممن يرتكب جريمة الضرب في حق زوجته مريضا نفسيا أو  لنقل  ممن “يتمارض ” فيضع عقده ونقصه فـ ” زوجته ” ويتبع معها نظام “التلاكيك” .. ويخلق النكد من طريق “تلاته وتلت”.. والعجيب أن نفس ..ذات .. الشخصية تلك ..هي بعينها .. التي تظهر بالخارج غاية فـ” الظرف واللطف والأدب والرقي، والابتسامة  التي لا تكاد تفارق شفتاه، تجدها عريضة تتسع من من أذنه اليمنى الى أذنه اليسرى … فيحسد الجميع “زوجته المسكينة “على هذا “الذوق الجم” !!

وما أتحدث عنه ليس بضرب من الخيال، أو إدعاءات كاذبة، فهي هي الأخبار المكتوبة والمذاعة  يوميا عن جرائم قتل بحق العديد من الزوجات لأسباب غاية في التفاهة، فكيف وصل الحال بالبعض إلى هذا الحد من الاستهانة بأرواح البشر، وبحق من ؟؟ أقرب الناس إليه.

وأرى أن من يعترض على زوجته أو يعترض على بعض تصرفاتها ولا يطيق عشرتها ولا الاستمرار معها.. ألا يلجأ إلى العنف “المتعدى الحدود” هذا، بل عليه بمنتهى البساطة أن يتركها لحالها ويرجعها لأهلها، دونما كسر ضلع أو إزهاق روح.

وطالما لا يرى هؤلاء الأزواج ما أمرنا الله به عند التعامل مع الزوجة الناشز، فلا جرح لكرامتها ولا مس بحياتها ولا ضرب لجسدها، ولكن التعامل بالحسنى حتى النهاية. فمال بال الضرب لبعض الزوجات اللاتي لا يرتكبن خطأ يذكر، وكأن ضرب أزواجهم لهن فقد لاستعراض “العضلات” ، و”الرجولة” المزعومة، وهم أبعد ما يكون عن الرجولة والمروءة.

فـ”رفقا بالقوارير” فتلك الدعوة من الرسول الحبيب لتحيط بـ”بوصلة المنزل” و”عموده”، فتلك السيدة هي التي يُبني عليها البيت من كل جوانبه، وحينما تُعامل بتلك الطريقة وتهان بهذا الشكل فيكون هدم البيت “هو المراد”، فلا يُنتظر من مرأة محطمة نفسيا ومشوهة جسديا بأن تربي أو تعمل أو أن تخدم أفراد العائلة بشكل طبيعي، فنفسيتها محطمة وعصبيتها تطيح بمن حولها، وأولهم “الأطفال المساكين” الذين ولدوا لهؤلاء “المسوخ” ممن كانوا لا يستحقون زواجا ولا زوجة ولا أولادا.

ضرب الزوجات ظاهرة تحتاج لعلاج اجتماعي سريع للحفاظ على ما تبقى من بيوت قائمة في مجتمعاتنا، وحفظ كرامة من لن نقول عليها “نصف المجتمع” بل “كل المجتمع” فهي التي على عاتقها تربية النشء ليصبحوا رجال ونساء الغد.

Advertisements
زر الذهاب إلى الأعلى